قراءة في خارطة الطريق لمستقبل سوريا

أعدّ خبراء سوريون، تحت إشراف “المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية” خريطة طريق للمرحلة الانتقالية لما بعد مرحلة سلطة آل الأسد، عنوانها “خطة التحول الديمقراطي في سوريا”، تضمنت اقتراح نظام برلماني وإعادة هيكلة أجهزة الأمن، إضافة إلى بناء جيش وطني ونزع سلاح المجموعات المسلحة.

وكان المركز السوري قد أسس “بيت الخبرة السوري” بمشاركة نحو 300 شخصية من خبراء ونشطاء في مجال حقوق الإنسان وأكاديميين وقضاة ومحامين ومعارضين سياسيين ومسؤولين حكوميين سابقين وضباط سابقين، إضافة إلى قادة من “المجالس المدنية المحلية” و”الجيش الحر”.

وقد انتهى الخبراء إلى تقرير تضمن توصيات ست فرق عمل تناولت: الإصلاح الدستوري وسيادة القانون وهيكلية النظام السياسي وإصلاح نظام الأحزاب والانتخابات وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وبناء جيش وطني حديث والإصلاح الاقتصادي وإعادة الإعمار، إضافة إلى العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في مرحلة ما بعد سلطة آل الأسد.

ويضاف هذا التقرير إلى تقرير “اليوم التالي” الذي ساهم في إعداده خبراء أجانب بشكل رئيسي، بمساعدة “معهد السلام الأميركي” و”المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمن”، وإلى “الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا”، التي أعدتها “لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا – أسكوا”، وإلى “رؤية المجلس الوطني السوري للمرحلة الانتقالية” التي أعدها خبراء سوريون في “مكتب التخطيط والسياسات” في آذار 2012.

ويختلف تقرير “المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية” عن التقارير السابقة بشموليته، إضافة إلى كونه اعتمد بشكل رئيسي على خبراء سوريين ومسؤولين في الجهازين السياسي والعسكري للمعارضة وقوى لها علاقة بالواقع والحراك الثوري على الأرض. وبذلك يمثل أرضية سياسية مشتركة للمعارضة السورية في شأن القضايا الرئيسية، بغض النظر عن الطريقة التي يتم فيها التغيير في سوريا.

ويتناول التقرير مراحل الثورة السورية وكيفية انتقالها من السلمية إلى العسكرة والدور الإقليمي في ذلك، إضافة إلى فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين السوريين. ويقدم خطة تفصيلية للنظام السياسي المستقبلي في سوريا، بحيث يكون “برلمانياً مع ضمان تحقيق التوازن بين السلطات الثلاث في مؤسسات الدولة”، ويكون رئيس الوزراء من الكتلة البرلمانية الأكبر على أن يتمتع رئيس الجمهورية بـ”صلاحيات فخرية مثل استقبال السفراء وتصديق المراسيم التشريعية”.

وفي ما يتعلق بالدستور المستقبلي لسوريا، يقترح التقرير أن يكون دستور العام 1950 “نقطة انطلاق الدستور السوري الحديث، الذي سيتم تعديله وتنقيحه من قبل الجمعية التأسيسية المؤلفة من 290 عضواً منتخباً عبر انتخابات وطنية نزيهة. وسيتم الموافقة على الدستور السوري الجديد من خلال استفتاء وطني”. ويتضمن المشروع أن تعلن الحكومة الانتقالية مبادئ دستورية، بحيث تناقش الجمعية التأسيسية دستور 1950 للوصول إلى مسودة جديدة تعرض على استفتاء.

وبالنسبة إلى النظام الانتخابي، يلاحظ الخبراء أنّ كل الدول التي مرت بمرحلة انتقالية نحو الديمقراطية اختارت نظام التمثيل النسبي المختلط. واقترحوا أن تشرف هيئة مستقلة على الانتخابات تختارها الجمعية التأسيسية، وليس وزارة الداخلية (مَنْ يشرف على انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية؟).

كما يقترح الخبراء آليات لتشجيع الأحزاب الديموقراطية ومسودة لقانون الأحزاب، إضافة إلى معالجة فساد القضاء وتداخل عمل السلطتين التنفيذية والقضائية. ويشغل موضوع العدالة الانتقالية حيّزاً مهماً من التقرير بهدف “تحقيق المصالحة الوطنية عن طريق عدالة انتقالية طويلة الأمد، يتم من خلالها تحقيق وضمان العدالة لجميع الضحايا في سوريا”. ويقترح التقرير خطوات عملية لتحقيق ذلك بينها تحقيق العدالة للضحايا، وبين بطء عمل المحاكم الدولية وعدم الثقة بالمحاكم المحلية جرى اقتراح “محاكم مختلطة، بحيث تكون سوريّة بخبرات دولية لضمان نزاهة المحاكم”. كما اقترح الخبراء تعويض الضحايا وبناء مؤسسات وتخليد الشهداء في المتاحف والمناهج التربوية.

وتتضمن التوصيات “إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وتطهيرها من المسؤولين الفاسدين”، بحيث يجري تسريح كل شخص مسؤول عن انتهاكات، على أن تتم إعادة هيكلة الأجهزة والاكتفاء بجهازين للأمن في البلاد: “جهاز الأمن الوطني” و”جهاز للاستخبارات الخارجية”.

ويلاحظ الخبراء أنّ من بين التحديات الأساسية بناء جيش وطني، إذ “سيتم نزع السلاح من كل الجماعات المسلحة وإعادة دمج عناصرها في المجتمع السوري”، ويقترحون الإفادة من خبرة الأمم المتحدة في هذه العملية.

وفي الفصل الأخير من التقرير، يسأل معدو التقرير: “ما هي السياسية الاقتصادية كي تتحول سوريا إلى دولة مزدهرة ومتقدمة في العام 2040 ؟”. ويأتي الجواب، في إطار التوصيات، بأن “تتخلى سوريا تدريجياً عن أنموذج اقتصادي تقوده وتتحكم به الدولة، وتنتقل إلى اقتصاد قائم على السوق”.

وتكمن أهمية التقرير في جوانب عديدة لعل من أهمها، بعد الاتهامات المتكررة التي وُجهت إلى المعارضة السورية لناحية أنه لا رؤية لديها لمرحلة ما بعد سقوط سلطة آل الأسد، تقديم رؤية شبه متكاملة حول مستقبل سوريا ما بعد التغيير. إضافة إلى أنّ خارطة الطريق المقترحة تعطي أملاً للسوريين، بعد الكلام الكثير عن تنامي نفوذ “الدولة الإسلامية في العراق والشام” و”جبهة النصرة”، بأنّ دولة المواطنين الأحرار هي الخيار النهائي لسوريا، من خلال نظام ديمقراطي يكون لكل مكوّنات الشعب السوري مكان فيه.

ومن المؤكد أنه لا يمكن فرض هذه الخارطة على السوريين، لكنها قابلة للاسترشاد بها في مرحلة ما بعد سقوط سلطة آل الأسد، لما تنطوي عليه من رؤية سياسية ودستورية وأمنية واقتصادية، لتكون بيد الحكومة الانتقالية فور تشكيلها.

ومن المؤكد أيضاً أنّ معدِّي الخريطة يدركون أنّ سوريا اليوم تبدو، بعد 29 شهراً على الثورة المطالبة بالحرية والكرامة، ملغّمة بكل عوامل الانفجار الداخلي وعصيّة على التوحد الوطني ضمن دولة مركزية، مما يتطلب البحث عن صيغ أكثر جدوى لإعادة بناء الدولة السورية الحديثة في ظل الجمهورية الثالثة القادمة. وبما أنّ السلطات المركزية المتعاقبة، خاصة سلطة آل الأسد منذ سنة 1970، لم تستطع النهوض بعبء مهام بناء الدولة الوطنية الحديثة، فإنّ العقلاء يعتقدون بأنّ اختفاء رائحة الموت من سوريا مشروط اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالدعوة الصريحة إلى إقامة نظام لامركزي يكفل الوحدة الوطنية الطوعية لكل مكوّنات الشعب السوري.

() باحث استشاري في مركز الشرق للبحوث

د. عبدالله تركماني()