التحول الديموقراطي ـ سوريا نموذجاً

.. موازاة بين التجارب ومشروع اليوم التالي لرضوان زيادة

“التحول الديموقراطي” سوريا نموذجاً، اصدار جديد لرضوان زيادة عن (“منشورات رياض للريس للكتب والنشر”) وهو كتاب تحية الى كل ثورات الحرية، ثورات الربيع العربي، والى شهداء الحرية والكرامة في سوريا، الذين رسموا تاريخاً ومستقبلاً جديدين لن يكونا من دونهم.

كتبت فصول الكتاب على مدى خمس سنوات، منذ العام 2007، تاريخ مغادرة رضوان زيادة سوريا وانكبابه على هاجس امكانية تحقيق التحول الديموقراطي في البلدان العربية وفي سوريا.

الفصل الأول بعنوان “التحولات الدولية في الشرق الأوسط بعد 11 أيلول”، والفصل الثاني “ثورات الربيع العربي” والفصل الثالث “ولادة الثورة السورية” والفصل الرابع “عوامل التحول الديموقراطي”، والفصل الخامس “ربيع براغ” والفصل السادس “عملية الانتقال الى الديموقراطية في تشيكوسلوفاكيا” والفصل السابع “اعلان دمشق وولادة المعارضة المنظمة” والفصل الثامن “التحول الديموقراطي والعدالة الانتقالية” والفصل التاسع “سوريا المستقبل”.

إذاً هي دراسة مقارنة للتحول الديموقراطي في أكثر من 50 بلداً في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية والغربية وافريقيا، موازاة بين التجارب، والتعرف الى قصص نجاحها وتشكلها والدروس المستفادة، لا سيما وان موجات التحول الديموقراطي التي تحدث عنها هنتغتون بدأت في أميركا الجنوبية، البرتغال واليونان واسبانيا، وفي أميركا اللاتينية في الأرجنتين والبرازيل وتشيلي وغيرها، ثم في أوروبا الشرقية بولندا وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا ورومانيا وغيرها.

وأبرز الدروس المستفادة هو صعوبة المرحلة الانتقالية بالانتقال من الدكتاتورية والاستبداد العائلي والحزبي الى بناء الديموقراطية، لا بل كانت المرحلة الانتقالية أصعب بكثير من اسقاط النظام الدكتاتوري.

ثانياً: الاستفادة من لقاء جين شارب ونظريته عن المقاومة السلمية أو مقاومة اللاعنف، التي تقود الى حشد الملايين والمظاهرات والتي تجبر النظام الدكتاتوري في النهاية على التنازل والخضوع وهي الروح الكبيرة عند الزعيم الهندي المهاتما غاندي.

ثالثاً: هذه الأفكار “الشابية” ألهمت الحركات الجماهيرية في صربيا وجورجيا وأوكرانيا، ثم بورما وزمبابوي والتيبت وكوبا وغيرها من مجتمعات ما زالت تكافح من أجل انجاز الحرية وتحقيق الديموقراطية في بلدانها.

رابعاً: حدث هذا ولم يكن الربيع العربي قد بدأ بعد في تونس.

خامساً: لم يكن شارب أول من ابتكر أفكار المقاومة السلمية أو الكفاح السلمي فقد سبقه غاندي ومارتن لوثر كينغ وهنري ديفيد ثورو وليو تولستوي..

سادساً: دراسة تجارب المقاومة السلمية التي نجحت، ولم تنجح تفيد من صياغة المستقبل مع اختلاف الموارد التي تشكل حصيلة المقاومة السلمية وهي عوامل اجتماعية وسلطوية وحتمية وقدرة المعارضة وآليات التكتيك السياسي ودرجة الانضباط، والاستمرارية الفكرية والثقافية وطبيعة الشرعية والموارد البشرية، والمادية والمعرفية وموارد أخرى والثقة بقيادة المقاومة والتغلب على الخوف والتكيف مع الظروف الدولية وأهمية التخطيط الاستراتيجي والاستراتيجية الكبرى، واستراتيجية الحملات والتكتيك أو الطرق وتحديد مسار الأعمال وتحديد المواضيع وتحديد الموارد الكافية.

سابعاً: يهدف الكتاب الى الاستفادة من تجارب البلدان وتحشيدها لمواجهة ما تمر به سوريا مع تحرر الكثير من المناطق من نظام الأسد وسيطرة الجيش الحر عليها. وكان لا بد من التخطيط لمرحلة ما بعد الأسد والاستعداد لها، علماً أن سوريا تمر اليوم بأقسى محطاتها التي تحدد مصيرها في العقود المقبلة.

هي الموجة التي تعرض لها الحشد الدولي في الربع الأخير من القرن العشرين وابتدأت هذه الموجة في البرتغال واليونان عام 1974، ثم اسبانيا 1975 وبعدها اكتسحت الدول الشيوعية وبقيت منطقة جنوب المتوسط متمسكة بنمطها الخاص وحاولت التكيف الى عقد التسعينيات، ولكنه كان “العقد الضائع” على مستوى المنطقة العربية، ومع أحداث أيلول/سبتمبر 2001، لاحت من الاحداث الاخيرة دولية جديدة ومختلفة تماماً تأسست على حراك مدني ومبادرات سياسية واجتماعية.

وبعد غزو الولايات المتحدة للعراق وتكريس احتلالها وفشلها في العثور على أسلحة الدمار الشامل، كانت ذريعتها الرئيسة في سياستها الخارجية استراتيجية تعتمد على نشر الديموقراطية. وأثارت مسألة التدخل الخارجي لنشر الديموقراطية جدلاً واسعاً مع التغيير باستمرار لطبيعة المصالح الدولية وأحياناً على حساب الديموقراطيات الداخلية وانجازها.

ثلاث مراحل يمر بها نجاح أي ثورة عربية وهي مرحلة تشتت النظام الاستبدادي وتفككه، مرحلة انتقالية آمنة، ومرحلة الاستقرار الديموقراطي. أما المؤشرات الاقتصادية مثل ارتفاع نسبة البطالة وتدهور مستوى البنى التحتية وانعدامها، ومؤشرات أخرى لا تشكل عاملاً حاسماً في عملية التحول الديموقراطي.

يقارن المؤلف في كتابه في ربيع براغ في تشيكوسلوفاكيا وربيع دمشق في سوريا نظريات وعلى مستوى تقييم التجربتين ولناحية الشبه بين النظامين والأجهزة الأمنية الاستخباراتية، والأجهزة الأمنية الخارجية والحزب الحاكم وأجهزته الاستخباراتية العسكرية ومدى التوسع البيروقراطي، مع الفارق في رأس الهرم السوري، حيث الأسد يشكل ذروة الهرم، واقرب أن يكون نظاماً شخصياً، عائلياً وبسلطات مطلقة ووراثية، في حين كان ذلك مستحيلاً في قيادة الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي وهذا فارق جوهري آخر مع العلم أن التجربة التشيكية شبيهة بالتجربة السورية في اصدار اعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي في تشرين الأول/اكتوبر 2004.

يخلص المؤلف في دراسته المقارنة الى أن تحول أنظمة الشرق الاوسط الى أنظمة ديموقراطية سيصب في مصلحة الولايات المتحدة الأميركية على المستوى البعيد، في حين الاحتفاظ بالصداقة مع أنظمة سلطوية سيعزز كراهية الشعب والمجتمعات العربية للولايات المتحدة، وعلى أميركا أن تقتنع بأن التحول هي الطريق الأكثر أماناً لجلب الاستقرار المستديم في المنطقة.

أما الموقف من الحركات الاسلامية والذي أدى الى تراجع دعم الديموقراطيات الوليدة فلا يجب وضع كل الحركات الاسلامية في خانة واحدة، والقبول بالحركات الاسلامية بقدر ما تكون مقبولة وملتزمة بالمؤسسات السياسية والدستورية والقضائية وهذه ضمانات دائمة مجتمعية لاستقرار المؤسسات السياسية.

في ما يلي مقتطف من الفصل التاسع والأخير بعنوان “سورية المستقبل” في الاشارة الى أربعة تحديات:

ستواجه سوريا الديموقراطية في المستقبل اربعة تحديات رئيسية:

[ 1 ـ الاصلاح السياسي والدستوري

إن القيام بإصلاح سياسي جذري يبدأ من تغيير الدستور وكتابة دستور ديموقراطي جديد يضمن الحقوق الاساسية للمواطنين، ويؤكد على الفصل التام بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية. وهو يشمل ايضاً اصلاحاً جذرياً للمؤسسة او الجهاز القضائي الذي انتشر فيه الفساد، ففقد المواطنون الثقة الضرورية به، وبالطبع إلغاء كافة المحاكم الاستثنائية والميدانية وعلى رأسها محكمة امن الدولة، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وإصدار قانون عصري للاحزاب السياسية بما يكفل المشاركة لكل السوريين من دون استثناء. اضف الى ذلك تحرير قانون الاعلام بما يضمن حرية الاعلام، وإصدار قانون جديد للانتخابات، وتشكيل هيئة وطنية للحقيقة والمصالحة، للكشف عن المفقودين السوريين والتعويض للمعتقلين السياسيين، ناهيك عن اعطاء كافة الحقوق الاساسية للاكراد، وعلى رأسها منح الجنسية لمن بات يقارب ربع مليون “مواطن” كردي حرموا منها، نتيجة إحصاء استثنائي خاص بمحافظة الحسكة عام 1962. كذلك إلغاء التمييز الثقافي واللغوي بحق اللغة الكردية، والنشاطات الثقافية والاجتماعية والفنية، والاعتراف لهم بحق التعلم باللغة الأم، وإلغاء التمييز المنهجي الواقع عليهم، واعطاء المنطقة الشرقية الاولوية في ما يتعلق بمشاريع التنمية والبنى التحتية.

[2 ـ التنمية الاقتصادية

بعد عقود من السياسات الاقتصادية الخاطئة دخلت سوريا في مأزق اقتصادي خطير، يتعمق مع الايام ويتفاقم بحكم افتقاد سوريا الموارد الضرورية، والاعتماد بشكل رئيسي على النفط الذي كان يشكل اكثر من 80% من الميزانية السورية. لقد انخفض الآن هذا الاعتماد ليصبح اقل من 30%. ومع انعدام البدائل الاخرى، واهمها بناء قطاع زراعي وصناعي قوي، فإن الامور تفاقمت بشكل كبير ومن المستحيل على سوريا ان تخرج من ازمتها الاقتصادية بالسياسات الاقتصادية ذاتها التي ترتبط بالسياسة الداخلية والخارجية بشكل او بآخر. فهناك جفاف في المنطقة الشرقية منذ عام 2007 ادى الى نزوح اكثر من مليون مواطن من المحافظات الثلاث (الحسكة ودير الزور والقامشلي) وفقا للامم المتحدة. وليس لسوريا أي امكانية مادية لضخ الحياة من جديد في هذه المحافظات الثلاث. بعد عقود من الاهمال والفساد المصحوبين بنمو سكاني، يعيش السوريون يومياً عذاب تدني خدمة النقل والمواصلات والخدمات الصحية والتعليمية. تحتاج سوريا الى 74 مليار دولار من اجل تأسيس بناها التحتية، في حين لا تمتلك شيئاً من هذا المبلغ هذا اذا علمنا ان كل مشاريع الطاقة والطرقات والبنى التحتية على ندرتها في سوريا انما تتم عبر قروض تدفع من الدول الخليجية او الاتحاد الاوروبي. فالاقتصاد السوري دخل مرحلة العجز التام عما يسمى النمو، فلا قدرة له على الاستجابة لتطلعات الشعب السوري في التقدم والرفاهية. فمعدل دخل الفرد الذي كان الاعلى في المنطقة في الخمسينيات، وفقاً للبنك الدولي، هو حالياً اقل بثلاث مرات من نظيره اللبناني، وبمرتين من نظيره الاردني، واربع مرات من نظيره التركي. كما ان نسبة الفقر وفقاً للارقام الرسمية ارتفعت لتصبح 30 بالمئة ممن يعيشون بأقل من دولارين في اليوم. لذا علينا ان ندرك انه لا بد من تغيير جذري في السياسة الاقتصادية القائمة على العدالة والتنمية المتوازنة بين مختلف المحافظات، اذا اردنا للسوري ان يعيش حياة كريمة بدل ان يعمل على مدى الساعات الاربع والعشرين لتأمين لقمة العيش فقط. فالمجتمع السوري اليوم يصنف من اعلى المجتمعات التي تنفق اكثر من 64% على المواد الغذائية. من حق المواطن السوري ان ينعم بالحياة والرفاهية، وان يرتفع دخله مع زيادة ساعات عمله، لا العكس.

[3 ـ تحديث الجيش السوري

للجيش في سوريا مكانة مميزة، فالسوريون يرددون كل صباح (حماة الديار عليكم السلام) أي انهم يبدأون نشيدهم الوطني بتحية الجيش وحده دون غيره من المؤسسات الوطنية نظراً الى دوره في الاستقلال والحفاظ على الوحدة الوطنية بين ابناء سوريا جميعهم. وفوق ذلك، تكمن اهميته في ان جزءاً من الاراضي السورية لا يزال تحت الاحتلال الاسرائيلي، بما يعنيه ذلك من مهام الجيش في التحرير وضمان وحدة وسلامة اراضي الجمهورية.

لكن هذه المؤسسة تعرضت الى اكبر عملية تهميش وإهمال خلال العقود الاربعة الاخيرة، وخاصة بعد حرب تشرين الاول/ اكتوبر 1973، ثم عملية تدمير خلال الثورة السورية عبر زجها في حرب ضد الشعب. كما ان الفساد والمحسوبية داخلها صارا حديث السوريين. فالعائلات الميسورة تبحث عن اسهل الطرق للدفع نقداً لتجنيب ابنائها الخدمة الالزامية. ومع انهيار العقيدة العسكرية داخله وانعدام شبه كامل للدورات التدريبية الحديثة لضباطه ومتطوعيه، والتمييز لمصلحة فرق عسكرية على حساب اخرى، ومع انعدام الموارد المالية في الميزانية فإن مخصصات الجيش انخفضت بالتزامن مع زيادة عدد المجندين نتيجة النمو السكاني. بهذا تحول الجيش تماماً الى “عبء” اكثر منه جيشاً محترفاً حديثاً. لذا لا بد من اعادة الثقة بالجيش لدى السوريين، والحفاظ على مكانته، واعطائه الاولوية في المرحلة المقبلة لتحديث معداته الحربية التي تعود الى السبعينيات من القرن الماضي، وتحويله الى جيش احترافي بدل كونه قائماً على الخدمة الالزامية. لن يتم ذلك الا برفع المخصصات المادية له، وتحديث قياداته وتأهيلهم التأهيل المناسب.

[4 ـ انعطاف في السياسة الخارجية

دفع السوريون ثمناً مادياً وسياسياً ومعنوياً كبيراً جراء اتباع سياسة خارجية قائمة على مصالح النظام، بدل ان تقوم على اساس تحقيق مصالح الشعب السوري. فقد اهملت قضية الجولان بشكل شبه تام في السياسة الخارجية السورية، واستعيض عنها بالسيطرة على لبنان عبر طرق مختلفة عسكرية اولاً، وسياسية ثانياً. فانتفى تماماً المفهوم الدبلوماسي القائم على ان وظيفة السياسة الخارجية انما هو تمثيل مصالح الشعب السوري وتطلعاته، والحفاظ على امن سوريا والسوريين في الخارج عبر خلق قنوات دبلوماسية سياسية وثقافية واجتماعية مع الشعوب الاخرى، بما ينعكس في النهاية على تحسين مستوى صورة سوريا في الخارج وحياة السوريين في الداخل.

لقد استمر التدخل العسكري في لبنان الى ما لا نهاية، ودفع الجيش السوري ارواحاً بريئة من دون ان يعرف هدف وجوده هناك، قبل ان تتمكن الحشود اللبنانية الغاضبة من اغتيال رئيس الحكومة اللبناني الاسبق رفيق الحريري من اخراجه. واليوم لا يزال النظام يكرر السياسة ذاتها عبر اللعب على التركيبة الطائفية اللبنانية دون اهداف واضحة، او حتى من دون ان يشرح للسوريين الهدف النهائي المطلوب تحقيقه من إثارة الفوضى المستمرة في لبنان، سيما ان السوريين قد دفعوا ثمناً باهظاَ لهذه السياسة، بدءاً بالاهمال الرسمي وبالتالي الشعبي ثم الدولي لقضية الجولان. لم تستطع سوريا استصدار أي قرار دولي لتأكيد حقها في الجولان منذ عام 1974، رغم ادراكها التام باستحالة القيام بأي خطوة عسكرية لاستعادته. تجلى هذا الامر في الالتزام التام باتفاقية فصل القوات عام 1974، رغم الخرق الاسرائيلي لها مرات عديدة. بالمقابل، فمنذ عام 2005 صدرت خمسة قرارات من مجلس الامن الدولي تتعلق بسوريا في ما يخص سياستها مع لبنان (القرار 1701 والقرار 1559 وغيرهما). هذا فضلاً عن محكمة دولية تحوم فيها الشبهات حول تورط مسؤولين سوريين باغتيال الحريري عام 2005. ستبقى هذه القرارات سيفاً مصلتاً على سوريا حتى تلتزم بها بشكل كامل. لقد دفع الشعب السوري ثمن هذه العقوبات التي شلت قطاع الطيران السوري تماما (تمتلك سوريا اليوم 4 طائرات فقط في حين تمتلك الملكية الاردنية للطيران 36 طائرة)، ومنعت وصول اية استثمارات اجنبية رئيسية الى سوريا، وعلى رأسها البنوك الكبرى التي تلعب دوراً مهماً اليوم في تمويل مشاريع البنى التحتية الكبرى كالطرقات والسكك الحديد والمطارات (مطار دمشق الدولي يعود الى السبعينيات، وليس لدى سوريا قدرة على بناء مطار جديد او توسيع المطار القائم، ومترو الانفاق، وغير ذلك من مشاريع البنى التحتية الحيوية جداً، بل الحاسمة لتحسين حياة السوريين وتحقيق النمو الاقتصادي). هكذا حرمت سوريا من الاستثمارات الاجنبية ولم يبق لها سوى بعض الاستثمارات الضئيلة التي اتت عبر البنوك الخاصة والشركات العقارية وهي استثمارات خليجية بالدرجة الاولى تركزت على القطاع الخدمي الذي لا يلعب دوراً مهماً في خلق فرص عمل منتجة للسوريين او بناء اقتصادهم. وفي حين كانت هذه العقوبات تشل الاقتصاد السوري وتمنعه من التطور، كانت السياسة الخارجية السورية تمعن بتصرفاتها لاستجلاب المزيد منها.

من دون تغيير جذري في السياسة الخارجية السورية تجاه دول الجوار، اولاً (لبنان والعراق بشكل رئيسي، اذ ليس لسوريا سياست خارجية اقليمية او دولية ابداً)، ووضع قضية الجولان مع القضايا التي تمس السوريين ومصالحهم في موقع الصدارة، ثانياً، فإن السوريين سيستمرون بدفع فاتورة فشل هذه السياسة من ارواحهم وجيوبهم.

اذاً، هذه هي باختصار النقاط الأربع الاساسية التي يجب على سوريا المستقبل ان تضعها اولوية لها. لكن كيف يمكن تحقيق ذلك، وعبر اية خطوات من التحول الآمن يجب ان نسير؟

ان اكبر تحد يواجه أي بلد في مرحلة التحول الديموقراطي هو كيفية تفكيك النظام الشمولي. النظام السوري منذ الجمهورية الثالثة أي مع تسلم حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة عام 1963 لم يكن مختلفاً عن الكثير من الانظمة الشمولية التي قامت في اوروبا الشرقية واميركا اللاتينية. لذا يجب ان تستفيد مرحلة التفكيك هذه من وفرة الدروس الضرورية التي تتضمن الانتقال الآمن والسلمي للديموقراطية. تستند عملية الانتقال الى عمودين رئيسين:

1 ـ المصالحة من اجل كسب المستقبل

كان نلسون مانديلا يردد باستمرار ان المصالحة لا تعني النسيان، بل إلغاء الثأر والانتقام عبر اللجوء الى القضاء. مفاد ذلك انه لا بد من ان يقبل كل السوريين (من يشعر بنفسه انه كان ضحية للنظام، ومن يخاف ان يكون احد ضحايا التغيير) بأن سوريا المستقبل قادرة على حمايتهم جميعاً وعلى تأمين مستقبل افضل لهم. ينبغي التأكيد على مبدأ ربح الجميع، بمعنى ان المسؤولين الحاليين الذين سيصبحون سابقين، يتوجب عليهم ادراك ان تفاوضهم بشأن التحول الديموقراطي هو ضمانة لعدم تعرضهم للعنف في المستقبل. كما يتوجب على الضحايا، أي السوريين بعموميتهم، ان يدركوا ان مستقبل البلد يتعلق بمدى قدرتهم على تجاوز الماضي وثأرهم واحتقانهم، من اجل الشراكة في سوريا المستقبل. لن يتم هذا بالطبع الا عبر المفاوضات المشتركة من اجل وضع المخطط الزمني للانتقال الديموقراطي.

2 ـ استعادة الثقة في المؤسسات

إن اهم ما تخسره الدولة، كدولة وليس كسلطة، هو فقدان الشعب الثقة بالمؤسسات التي يفترض ان تستمد شرعيتها منه. لذلك فالجهاز الامني واجهزة الشرطة تكون اول ضحايا عملية التحول لانها غالباً ما تجسد الوجه القبيح للنظام الدكتاتوري. فتصبح الهدف الاسهل للجماهير بعد مرحلة التحول. يأتي بعد ذلك بالطبع السلطة التشريعية (البرلمان) والاعلام الذي غالباً ما يكون مجرد دعاية للنظام الحاكم، والحزب الذي يكون الواجهة السياسية للحكم.

إن مرحلة التحول الآمن في سوريا يجب ان تنطلق من قناعة رئيسية: ان الشعب السوري فقد تماماً ثقته بالسلطة التنفيذية وعلى رأسها الرئيس ونوابه، ورئيس الوزراء، والبرلمان او مجلس الشعب الذي لا يحتفظ بأي دور في عملية صنع القرار، اذ ينتخب اعضاؤه الى البرلمان عبر انتخابات لا تتحلى بالحد الادنى من الشفافية والمصداقية والنزاهة، فضلاً عن القوانين الانتخابية والسياسية التي تحكم انتخاباته. بالتالي، لن يكون له أي دور ذي معنى في عملية التحول. فلا بد من جدول زمني لانجاز عملية التحول الديموقراطي يقوم اولاً على سن دستور مؤقت جديد للبلاد، يجري التصديق عليه عبر استفتاء وطني، تشرف عليه حكومة انتقالية مؤقتة وظيفتها ضمان انجاز خطوات التحول المذكور الذي يبدأ بالتصديق على الدستور المؤقت، من قبل خبراء دستوريين وقانونيين واصلاحيين سياسيين. وبعد ذلك تقوم الحكومة الانتقالية بوضع قانون جديد للانتخاب والاحزاب السياسية الذي من المفترض ان يحكم عملية انتخاب رئيس الدولة وانتخاب البرلمان. تشرف على الانتخابات لجنة وطنية مستقلة، عبر اشراف قضائي، ومراقبين محليين ودوليين، فيفتح الباب امام تشكيل الأحزاب السياسية التي ستشارك بفاعلية في الانتخابات المقبلة.

نعتقد أن لا خلاف كبيراً اليوم على شكل النظام السياسي في سوريا، فالنظام يجب أن يبقى رئاسياً برلمانياً لكن مع تحديد كبير لصلاحيات رئيس الدولة في الدستور المقبل وإعطاء البرلمان دوراً أكبر في الرقابة والمحاسبة، وضمان استقلال تام للسلطتين القضائية والإعلامية.

بالتالي، فالبرلمان القادم سيقوم بصياغة دستور جديد ديموقراطي دائم للبلاد، وإقرار قوانين جديدة للأحزاب والانتخابات، وتحرير الإعلام وقوانين حديثة لجمعيات المجتمع المدني، وغيرها من القوانين التي ترسم ملامح الحياة السياسية لسوريا المستقبل.

تبقى مسألة تفكيك النظام الشمولي التي يجب أن تتم عبر استعادة الثقة بمؤسسات الدولة.

– لا بد من الإشارة في البداية الى ما يعرفه السوريون جميعاً بأن الأجهزة الأمنية وأجهزة الاستخبارات تعتبر صاحبة السلطة الحقيقية في سوريا، بما تمليه من أحكام على السلطة القضائية، وبما تمارسه من اعتقالات بلا مذكرات قضائية، وبما اعتادته من التدخل في كل النواحي الحياتية الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية للسوريين: بدءاً بتغيير الجامعة، الى نقل كفالة أو وكالة. كل ذلك وغيره يحتاج الى موافقة أمنية مسبقة عملت على شلّ قدرة السوريين على الابتكار والمبادرة، نتيجة تقييدهم بهذا النظام الأمني القائم على زرع الخوف وتعزيزه عبر الاعتقال والتعذيب، بأشكاله المختلفة، ومنع السفر. لقد توسّع حجم الأجهزة الأمنية المنبثقة عن إدارات الاستخبارات الأربع الأساسية وهي الاستخبارات العسكرية، والأمن السياسي، والاستخبارات الجوية، والاستخبارات العامة أو أمن الدولة مع نهاية السبعينات. أُنيط بها مهام حفظ الاستقرار للنظام القائم بشتى الوسائل والطرق. لذلك ربما يشعر مسؤولو هذه القيادات بأنهم المتضرر الأكبر من عملية التغيير أو التحوّل عبر فقدانهم صلاحياتهم المادية والمعنوية. فمن المؤكد أنهم سيكونون العقبة الكبرى أمام التحوّل.

لكن يتعيّن على مسؤولي هذه الأجهزة أن يدركوا استحالة استمرار الوضع القائم. هذا ما كان يعتقده مسؤولو الاستخبارات أو الشرطة السرية التابعة لوزارة الداخلية التونسية في نظام زين العابدين بن علي، أو إدارة أمن الدولة والمباحث العامة في نظام حسني مبارك، أو اللجان الشعبية والأمنية التابعة لنظام القذافي.

لا بد من إصلاح هذه الأجهزة عبر ما يسمّى عملية التطهير وإعادة البناء، إذ لا يجب تفكيكها وحلّها على الفور لئلاّ تصبح مصدراً دائماً للفوضى، وإنما لا بد من إعادة بنائها مع تغيير وظائفها، عبر التركيز على أن وظيفتها هي أمن الشعب وليس أمن النظام أي ضمان أمن السوريين عبر حقهم الكامل في ممارسة كل حقوقهم القانونية والدستورية، وأيضاً خضوعها لسيطرة ورقابة البرلمان وعدم تجاوزها صلاحياتها. الأهم من ذلك خضوع قياداتها وأعضائها للمحاسبة القانونية والقضائية في حال تجاوزها أو تعديها أو انتهاكها أياً من الحقوق الأساسية للمواطنين. ويُفترض تخفيض أعدادها وتقليص إداراتها الأربع الى اثنتين فقط كما كان عليه الحال في سوريا في الخمسينات، أي دمج الاستخبارات الجوية مع الاستخبارات العسكرية التي ستكون متخصصة فقط في الحفاظ على أمن الضباط والعسكريين؛ ودمج الأمن السياسي بالاستخبارات العامة التي تكون مسؤوليتها الحفاظ على أمن السوريين. كما لا بد من تحديث قياداتها وكوادرها عبر ما يسمى دورات التدريب المستمر. علاوة على ذلك الشروع في عملية تطهير، فالأشخاص المسؤولون عن عمليات تعذيب أو قتل خارج نطاق القانون لا بد من أن يمثلوا أمام العدالة، في حال جرى تقديم دعاوى قانونية بحقهم. في مقابل ذلك، يبرز بناء وتعزيز جهاز الشرطة الذي يجب أن يعكس السلطة الحقيقية في الشارع السوري، وتزويده بالمعدات والتجهيزات الضرورية لحفظ النظام العام؛ في الوقت نفسه، تدريبه وإعادة تأهيله لكيفية التعامل المهني مع المواطنين عبر احترام الحقوق الإنسانية الأساسية والدستورية.

– أما بالنسبة الى حزب البعث، فجميع السوريين بلا استثناء، بمن فيهم أعضاء الحزب أنفسهم، يعرفون أن الحزب لم يكن سوى واجهة حزبية وسياسية، تم استخدامه كأحد أعمدة هرم النظام الشمولي في المراقبة وإحكام آليات السيطرة، بما يملكه من نفوذ وانتشار يشمل كل المحافظات والمدن والقرى والأحياء، والجامعات والمدارس الثانوية والإعدادية والابتدائية، والمصانع والشركات وغيرها، مما ولّد حنقاً كبيراً في نفوس السوريين تجاهه بوصفه لا يختلف في ممارساته عن ممارسات الأجهزة الأمنية ووسائلها. فلا بد أولاً من فك العلاقة أو الصلة بين الحزب ومؤسسات الدولة. فوفقاً للدستور السوري الصادر عام 1973، حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع. ومع صياغة دستور جديد، فحذف هذه المادة سيكون بالتأكيد أهم أولويات هذا الدستور. لكن ذلك لن يكفي، فلا بد من فك العلاقة بشكل كامل بين مؤسسات الدولة وفروع الحزب الذي يعتمد في تمويل رواتب موظفيه على خزينة الدولة؛ كما أنه يشغل الكثير من مقرات تملكها الدولة. وهنا لا بد للدولة السورية من استعادة واسترجاع الممتلكات التي يشغلها الحزب لتوضع في خدمة مؤسسات الدولة المختلفة.

ليس لدى سوريا اليوم قانون ينظم عمل الأحزاب السياسية. لذلك، فحزب البعث عملياً يستمد وجوده مما يسمى “الشرعية الثورية” التي أتت به الى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1963. فعملياً يصبح الحزب منحلاً بعد إقرار الدستور الجديد وتأسيس نظام جديد.

يجدر التأكيد على نقطتين: الأولى أنه يحق لأعضاء الحزب إذا ما بقيَ منه أعضاء يؤمنون بأهداف الحزب ودستوره تأسيس حزب جديد ربما يحمل الإسم نفسه وفقاً لما ينص عليه قانون الأحزاب الجديد. لكن كما جرى في العديد من دول أوروبا الشرقية، لا بد من إصدار قانون يحظر على مسؤولي حزب البعث من أعضاء القيادة القطرية أو أعضاء فروع الحزب المختلفة ترشيح أنفسهم لمنصب سياسي أو حزبي هذا إذا ما ثبت للقضاء وحده تورط المسؤول بقضايا فساد أو انتهاكات حقوق الإنسان.

– يبقى في النهاية أحد أعمدة النظام الشمولي التي لا بد من تفكيكها: أجهزة الإعلام المختلفة التي تشمل التلفزيون بقنواته المختلفة، والإذاعة، والصحف، وغيرها من المؤسسات التي تعمل تحت مظلة وزارة الإعلام.

لعل أهم تحديات نظام ما بعد فترة التحول الديموقراطي هو الآلية التي يمكن من خلالها تحرير وسائل الإعلام. ينبع التحدي من كون كل مؤسسات الإعلام التابعة للنظام تردد ما يُملى عليها، فلا تتحلى بأي مصداقية لدى الشعب، لكنها في الوقت نفسه تشتمل على توظيف المئات، إن لم يكن الألوف، من العاملين. لذا من الخطأ حلّها والإطاحة بموظفيها.

إن الحل الأمثل والأفضل يكون بتحويل كل هذه المؤسسات الى مؤسسة واحدة كبيرة تدير نفسها بنفسها، تماماً كما هو نموذج BBC في إنكلترا التي تعتمد على دافعي الضرائب البريطانيين، لكنها في الوقت نفسه مستقلة تماماً عن الحكومة. تقوم المؤسسة على المبدأين الأساسيين اللذين يرتكز عليهما الإعلام اليوم، بأشكاله المختلفة السمعية والبصرية والمقروءة. وهذان العاملان هما التنافسية والأسبقية. فهاجس التنافس يحرّض على الإبداع، والأسبقية في الحصول على الخبر وتحليله. لذلك يكون النموذج الأمثل إلغاء وزارة الإعلام تماماً، ودمج كل وسائل الإعلام المختلفة في شركة مساهمة واحدة يديرها مجلس إدارة مستقل تماماً عن الحكومة السورية.

إن معركة السوريين اليوم هي معركة مزدوجة: فمن جهة عليهم العمل لاستعادة الجمهورية، تلك التي تحوّلت تماماً الى مملكة يتوارثها الأبناء؛ ومن جهة أخرى العمل لاستعادة الديموقراطية. وفي كلتا الحالتين فإن السوريين جميعهم، بكل أطيافهم وانتماءاتهم العرقية والدينية والإثنية، لا يختلفون أبداً على أولوية النجاح في كلتا الحالتين. فسوريا أرض حضارات عريقة متعاقبة، منها انطلق فجر الحضارة الإسلامية. كانت على مرّ التاريخ منبعاً ومنارة للأفكار الخلاّقة والمبدعة، وكان للسوريين الدور الحيوي في نشر الفكر العروبي وعلى امتداد العالم العربي. عليهم الآن قيادة معركة الحريات ونشرها في العالم العربي، فدمقرطة الأنظمة العربية هي السبيل الوحيد لوضع أولويات ومصالح الشعوب على حساب مصالح الأنظمة، وهو ما يفتح المجال لبناء فضاء جيوسياسي واقتصادي عربي قادر على تحقيق الرفاهية لشعوب المنطقة كافة، وعلى توظيف إمكانات هذا الفضاء، السياسية والاقتصادية، في استعادة الأراضي العربية المحتلة التي لم تجدِ عقود من إطلاق الشعارات في استعادتها.

يقظان التقي

جريدة المستقبل