سوريا المستقبل كما في خطة التحول الديمقراطي

د.رضوان زيادة المدير التنيفذي للمركز السوري للدرسات السياسية والاستراتيجية

تطرح علينا سورية اليوم السؤال ذاته الذي طرح مرارا وتكراراً مع العراق وليبيا وهو هل يمكن تغيير النظام دون تفتييتٍ لأسس الدولة ومؤسساتها؟ ، بالتأكيد يحمل هذا السؤال براءة من نوع وهل امتلكت هذه الدول أصلاً مؤسسات حتى تستطيع الحفاظ عليها ، أم أنها كانت مجرد واجهات لبنية تركيبية قائمة على عنف السلطة الأعمى بغض النظر عن شرعيتها السياسية والاجتماعية، وأن هذه المؤسسات الوهمية كانت مجرد غلالة لأنظمةً قبلية وعائلية بالغة الشَّخْصَنَة أنجبت أنظمة شديدة القمعية عسيرة على المقاومة بالعمل السّياسيّ المدنيّ فضلاً عن التغيير بالوسائل السلمية. بل إنّه لم يحدث أن تمّ إسقاط أيّ من الأنظمة العربية المذكورة دون عاملين: أحدهما التّدخّل الأجنبيّ وثانيهما تدمير مؤسسات الدّولة وبناها. فقد تماهت عائلة الأسد في مؤسسات الدولة السورية التي انبثقت عقب الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي بحيث أصبح الفكاك عنها هو المستحيل بعينه وترافق ذلك مع تغيير جذري في التركيبة الاجتماعية السورية بهف حماية هذه عائلة الأسد وموقعها في هرم السلطة السورية فكاد يصبح مستحيلا إسقاط النّظام دون ذهاب مؤسسات الدّولة معه.

سورية وخلال سنوات حكم عائلة الأسد كانت دولة هشة وضعيفة بالمعنى السياسي والاجتماعي والمؤسساتي وكانت مؤشرات فشلها أكثر بكثير من مؤشرات قدرتها على النمو والتحول الديمقراطي، فقد فشلت سورية أو لنقل تعمدت عائلة الأسد تحطيم الإرث المؤسساتي الضعيف الذي نشأ بعد الاستقلال من دولة تأسست على الفكرة الجمهورية إلى دولة يمكن توريثها من الأب إلى الابن بدون اي مقاومة سياسية تذكر، من برلمان منتخب شهد أكثر المعارك السياسية سخونة في تاريخ الشرق الأوسط حول صلاحيات الجهاز التنفيذي ورئيس الدولة آنذاك شكري القوتلي حتى منعه من رفع راتبه من 500 ليرة إلى 700 ليرة وإصلاح سيارته التي تتعطل يوميا مرات مرات لقطع المسافة القصيرة من قصر المهاجرين إلى قبة البرلمان بسبب الأوضاع في فلسطين، إلى رئيس مطلق الصلاحيات كما في دستوري عام 1973 ودستور عام 2012 إذ يستطيع أن يمارس صلاحياته السوبرالتنفيذية كاملة فضلاً عن التشريعية في ظل عدم انعقاد مجلس الشعب فضلاً عن القضائية بوصفه رئيس مجلس القضاء الأعلى، لقد تعمدت عائلة الأسد تحطيم هذا الإرث الذي كان مصدر فخر السوريين جميعهم بكل طوائفهم وتليوناتهم السياسية والأيديولوجية، لأنه السبيل الوحيد القادر على السيطرة بمقاليد السلطة والحفاظ عليها لعقود وعقود وتوريثها من الاباء إلى الأبناء.

وهو ما يفسر حاجتنا اليوم للاجتماع والنقاش ومدارسة خطة التحول الديمقراطي التي قدمها بيت الخبرة السوري، فقد يحاجج البعض أنه من المبكر جداً الحديث عن المرحلة الانتقالية وما زالت آلة القتل الأسدية الكيميائية وغير الكيميائية تفتك بالسوريين وتشردهم، وما زال العالم متواطأً معه في تفتيت سورية وتحويل شعبها العزيز الكريم إلى شعب جائع متسول يعيش ثلثه الآن تحت خط الفقر المدقع، إنه وبسبب كل ذلك نحتاج إلى التفكر والأهم تحويل الأفكار إلى أفعال، فسورية اليوم بكل تأكيد في منتصف المرحلة الانتقالية، فهي حتما لن تعود سورية الأسد لكننا لا نعرف على وجه الدقة اية سورية ستكون ؟

نريدها سورية دولة مدنية ديمقراطية لكل السوريين، ولكن كي لا يكون ذلك شعاراً فقط قمنا بتقديم خطة التحول الديمقراطي التي تبني تصورا متكاملاً لسورية المستقبل في كل مجالات الحياة السياسية والأمنية والتشريعية والقضائية والاقتصادية ، وتضع توصيات تفصيلية وعملية إذا ما استطاعت مؤسسات المعارضة الانتقالية في تطبيقها وتنفيذها فإنها ستستطيع نقل سورية من دولة فاشلة ومن ثم محطمة في عهد الأسد إلى دولة قوية ستكون في عداد الدول المتقدمة.

تقوم فكرة خطة التحول الديمقراطي على فكرة خلق بُنَى بيروقراطية حيادية (الخدمات المدنية، النظام القضائي، الشرطة، الجيش) تدعم و تُشَرَّع دور سلطة الدولة الحيادي في الحفاظ على النظام الاجتماعي السوري من خلال إجراءات وقائية بالإضافة إلى تعزيز دور وسلطة القانون. تحويل سورية من بلد تسوده العصبية القبلية المتأصلة في الثقافة السياسية التي رعاها وبناها الأسد بهدف تحطيمها ومن ثم إقناع الجميع بأنه الوحيد القادر على جمعها معا وحكمها ومنع نشوء أي بناء بيروقراطي سياسي لمؤسسات الدولة قادر على كسب ولاء الشعب السوري. وتعميق ذلك عبر تغيير البنى الاجتماعية بسبب سنوات الاستبداد الطويل من خلال إقحام عناصرها في المناصب الهامة الأمنية والعسكرية التي بدأت باستنزاف ثروات البلد بوقت مبكر. وهذا ما قاد إلى خلل اجتماعي خطير كان من المستحيل على سورية أن تبقى كما هي بدون تغييره، فالتركيبة الأمنية والعسكرية التي تقتصر في حكرها على طائفة محددة ستولد بدون أي شك طال الزمن أو قصر مقاومة تهدف إلى تصحيح هذا الخلل السياسي والاجتماعي، وهذا بالضبط ما يفسر سبب اندلاع الثورة السورية ويبررها، وهو محاولة تعديل هذا الخلل في التركيبة الاجتماعية والسياسية عبر إصلاحه بالوسائل السلمية من خلال المظاهرات التي قادها أبطال لا مثيل لهم عبر التاريخ على الإطلاق، ففي كل لحظة نكون فيها شهوداً على آلة العنف الأسدية نكون شهوداً على أبطال قرروا الخروج للاحتجاج سلميا وهم يعرفون أن مصيرهم الوحيد هو القتل ، لا خيار آخر، لا بديل آخر، ورغم ذلك يستمرون ويستمرون في التظاهر، هؤلاء سيخلدهم التاريخ السوري كأبطال الاستقلال الثاني الحقيقيين، كأبطال ندين لهم في الحقيقة بكل شيء ، بحريتنا بالأمل الذي صنعوه لنا.

بيد أن الأسد فشل في قراءة مغزى هذه المظاهرات بكل إصرارها وتحديها الذي لا مثيل له كما قلت، ورفض أن يكون شريكاً للسوررين في تصحيح هذا الخلل الاجتماعي وهو أن 5 بالمائة من السكان تتحكم بمصير شعب بأكلمه بالوسائل السياسية والسلمية، فهاهو يتصحح لكن بأسوأ الوسائل الممكنة وهو الخيار الذي استبعده السوريين ورفضوا اختياره برغم التضحيات الغالية التي دفعوها، لكن في النهاية أجبرهم الأسد على المرور فيه، ومن خلاله يتم تصحيح هذا الخلل الاجتماعي ، ووظيفتنا هنا أن نقود هذا التصحيح بكل قوة ممكنة كي لا يقود إلى خلل آخر تدفع سورية ويكفيها ما دفعت إلى سنوات من الفشل والفوضى واللااستقرار.

من هذا الواقع وفي صيف عام 2012، انطلق المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية بالعمل على وضع مشروع متكامل، يشمل رؤية لتطوير عمل المعارضة السورية في مواجهة نظام الأسد، ومن ثم تقديم مشروع متكامل لإدارة المرحلة الانتقالية، وصولاً إلى وضع أطر واضحة لبناء دولة سورية حديثة تتسع لكل السوريين على اختلاف أطيافهم، ويتمتع بها المواطن بكافة حقوقه وحرياته ويشارك بالحياة السياسية من دون قيود. وتحاول أن تبني الحد الأدنى من التوافقات الوطنية حول خطوات ومراحل المرحلة الانتقالية.

لقد قام المركز السوري بالإعلان عن تأسيس بيت الخبرة السوري الذي ضم ستة فرق عمل هي: فريق العمل الخاص بالإصلاح الدستوري وسيادة القانون، فريق العمل الخاص بالإصلاح السياسي والإداري، فريق العمل الخاص بإصلاح نظام الأحزاب والانتخابات، فريق العمل الخاص بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وبناء جيش وطني حديث، فريق العمل الخاص بالإصلاح الإقتصادي وإعادة الإعمار، وفريق العمل الخاص بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

كان الهدف هو رسم رؤية شاملة ومتكاملة للمرحلة الانتقالية ولمستقبل سوريا من خلال استخلاص توصيات مفصلة لجميع المواضيع والمجالات التي تناولتها ورشات العمل والتي انتهت إلى هذا التقرير النهائي والشامل الذي بين أيدينا اليوم تحت عنوان (خطة التحول الديمقراطي في سوريا).

في الإصلاح الدستوري وسيادة القانون

مر على تاريخ سورية منذ استقلالها أكثر من 15 دستوراً وهذا ما أضعف الثقافة الدستورية لدى السوريين، ولذلك لابد من استرداد وتحقيق الشرعية الدستورية بعد سقوط نظام الأسد، ولذلك اتفق بيت الخبرة السوري أن الحل الأفضل لتحقيق الشرعية هو الرجوع إلى دستور عام 1950. ويعد دستور عام 1950 هو الدستور الوحيد الذي تمت صياغته والموافقة عليه من قبل مجلس دستوري منتخب شعبياً ويحظى بشرعية شعبية، بالرغم من أن بعض مواده المتعلقة بالأقليات وحرية التعبير قد أثارت شيئاً من الجدل. وفي ظل غياب جهة تتمتع بالسلطة القانونية والدستورية أو بالتفويض الشعبي لتعديل الدستور، أوصى المشاركون باعتماد دستور عام 1950 بصورة كلية مبدئياً، مع تفويض الحكومة الانتقالية بإصدار إعلان دستوري مكمل بهدف تحديد مهام الحكومة الانتقالية وصلاحياتها وعمرها، وتحديد المواعيد الرسمية ونجد مسودة لهذا الإعلان الدستوري المقترح في ملاحق هذا التقرير لتقوم هذه الحكومة الانتقالية بالإشراف على انتخابات شعبية لأعضاء المجلس التأسيسي أو الجمعية التأسيسية التي سوف تكون المسؤول عن صياغة دستور سوري جديد. ووضع المشاركون عدة خطوات محددة للتأكد من استقلال الهيئة القضائية من خلال آليات ومعايير دقيقة لحماية السلطة القضائية من تدخل السلطة التنفيذية في قرارتها وهيكليتها.

أما فيما يتعلق بالإصلاح السياسي

فكما أصبح بدهياً لدى كل السوريين لابد من تنحي رأس النظام القائم المتمثل ببشار الأسد. ولذلك تم بحث السيناريوهات المختلفة لانتهاء الأزمة والتي سيتم على إثرها تشكيل حكومة انتقالية تتشكل على أساس اتفاق سياسي ينتج بحسب شكل نهاية الأزمة في سوريا.

لقد أوصى المشاركون بأن يتم انتخاب المجلس التأسيسي أو الجمعية التأسيسية التي سيوكل لها صياغة دستور دائم للبلاد انتخاباً شعبياً وأن لا يتم اختيار أعضائها بالتعيين، وذلك لغياب أي مؤسسة منتخبة ومفوضة شعبياً بذلك، كما أوصى بأن يتم الاستفتاء الشعبي على الدستور بمجرد الانتهاء من إعداده لتبين رأي الشعب السوري فيه.

أما الجانب الثاني فكان وضع رؤية لمستقبل النظام السياسي سوريا، وقد اتفق على أن يكون نظاماً برلمانياً، تتشكل فيه الحكومة من قبل أغلبية أعضاء البرلمان وتحظى بكافة الصلاحيات التنفيذية، كما تخضع لرقابة مباشرة من البرلمان الذي يحق له أن يساءل أعضاءها و يستجوب رئيسها ويسحب ثقته منها. ويرى بيت الخبرة السوري أن هذا الخيار سيساهم في رفع مستوى العمل السياسي في سوريا وضمان مشاركة كافة القوى السياسية في إدارة البلاد ومنع انفراد أي حزب أو جهة ما بالسلطة. كما أن هذا النظام سينقل الخلافات السياسية من الشارع إلى داخل قبة البرلمان مما قد يساعد على تخفيف الاحتقان بين فئات المجتمع، ويضع الفرقاء السياسيين جنباً إلى جنب في غرفة واحدة. كما لابد من العمل على تفعيل دور العمل الحزبي وإصلاح مؤسسات الدولة التي لن يكفل إسقاط النظام وحده إصلاحها أوإلغاء الفساد المستشري فيها.

أما فيما يتعلق بإصلاح نظام الأحزاب والانتخابات

فقد تركز النقاش على نظام الأحزاب وتأسيس منظومة تضمن التعددية الحزبية وتتيح المجال للأحزاب للمشاركة الفعالة في السلطة، إلى جانب وضع أسس ومعايير لأي عملية انتخابية قادمة، بحيث تضمن تمثيل حقيقي لكافة شرائح المجتمع وتضمن مشاركة عادلة لكافة المحافظات والمدن السورية، بحيث تنتج العملية الانتخابية مجلس نواب يعبر بحق عن الشعب السوري.

وقد تم تحديد عدد من المعايير والأسس لوضع قانون حديث للأحزاب في سوريا، بحيث يقوم هذا القانون على إلغاء القيود التي تحول دون تأسيس الأحزاب، وأن تكون القيود أو المعايير المحددة لتشكيل الأحزاب محصورة بأن لا تخرج هذه الأحزاب عن الدستور السوري وأن لا تدعو للتمييز بين المواطنين ولا لتقسيم الدولة وأن لا تخرج تلك الأحزاب عن المصلحة الوطنية للشعب السوري وللدولة السورية.

في المقابل، تم وضع تصميم لنظام انتخابات جديد من أجل انتخاب المجلس التأسيسي أو الجمعية التأسيسية والذين قدر عدد أعضائه بـ 290 ممثلاً عن كافة مناطق سوريا، على أن يصاغ قانون الانتخابات بالتزامن مع قانون الأحزاب. إذ يعتمد نظام الانتخابات الجديد على النسبية في احتساب النتائج، والنظام النسبي يعد متقدماً بشكل كبير على النظام الأكثري الذي يعتمده نظام الأسد القائم، فهو يسمح بمشاركة كل الأحزاب والمكونات السياسية في السلطة بحسب حجمها الحقيقي بالشارع بدلاً من أن يمنح الحزب الفائز كل السلطة، كما يمنح النظام النسبي تمثيل حقيقي وعادل للأقليات. وهذا النظام يعتمد على قوائم انتخابية يفضل أن تكون حزبية، كما يوصي النظام المقترح بأن تكون القوائم الانتخابية مفتوحة؛ بحيث يختار الناخب القائمة المفضلة له ويختار من ضمنها مرشحه المفضل.

كما يعتمد النظام الجديد على تقسيم الدوائر الانتخابية لـ 32 دائرة بدلاً من 15 دائرة كما حددها نظام الأسد وحزب البعث، إذ تعطي الدوائر الصغرى فرصة أكبر للأحزاب الصغيرة ذات الإمكانات المادية المتواضعة، وتمنح تمثيلاً أفضل للمدن الصغيرة والأرياف. وقد رسمت الدوائر الانتخابية على أساسين رئيسيين، الأول هو الاعتماد على التقسيم الإداري للدولة السورية والذي يقسم المحافظات السورية إلى 64 منطقة إدارية، والثاني هو اعتماد أصغر دوائر انتخابية ممكنة شرط أن لا يقل عدد المقاعد في الدائرة الواحدة عن أربعة مقاعد لضمان نجاح تطبيق النظام النسبي.

كما يضمن النظام الجديد المقترح من قبل بيت الخبرة السوري مشاركة فاعلة لكلا الجنسين في المجلس التأسيسي، بحيث يضمن هذا النظام من خلال عدة آليات محددة تمثيلاً للمرأة بشكلٍ يتناسب مع دورها في المجتمع. كما يحث النظام الجديد كافة الأحزاب والتيارات المشاركة في الانتخابات على منح جزء من قوائمها لذوي الاحتياجات الخاصة وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار العدد الكبير للجرحى والمعاقين الذي تخلفه الحرب في سورية اليوم، وإعطائهم الفرصة في المشاركة السياسة وصنع مستقبل سوريا.

أما فيما يتعلق بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وبناء جيش وطني حديث

فيعرف السوريون التأثير الكبير الذي يتمتع به الجهاز الأمني السوري الحالي على حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولذلك فإن تفكيك هذه الأجهزة وإعادة بناءها يعد أولوية حيوية لكل السوريين بدون استثناء، ولذلك تم وضع رؤية للنظام الأمني المستقبلي لتكون متسقة مع الواقع الجديد التي تفرضه الثورة. ويرى بيت الخبرة السوري ضرورة تشكيل مجلس أمن وطني، يرأسه هرم السلطة ممثلاً في رئيس مجلس الوزراء ويشارك فيه وزراء الدفاع والداخلية وقائدا الجيش وجهاز الأمن الداخلي. كما أنه يجب أن يتم دمج الأجهزة الأمنية الأربعة الرئيسية في سورية اليوم في جهازين رئيسيين أحدهما يدعى جهاز الأمن الوطني والآخر يتعلق بالاستخبارات الخارجية وكلاهما يخضعان لسلطة مدنية، وأن يتم إعادة هيكلة أجهزة قوى الأمن الداخلي، والتركيز على رفع مهنيتها واحترافيتها، إلى جانب تشكيل لجان للتطهير والتدقيق من أجل تنقية الأجهزة الأمنية ممن ثبت إجرامهم وتورطهم في جرائم ضد الإنسانية من تعذيب وقتل وإخفاء قسري وغيرها.

أما فيما يتعلق بتحديات بناء جيش وطني حديث في سورية. فلابد من وضع أسس واضحة لبناء الجيش الحديث، متضمنة آليات واضحة وعملية لعملية دمج المقاتلين من الجيش الحر أمنياً وعسكريا إذا ما اختاروا أن يكونوا جزء من المؤسسات الجديدة أو اقتصاديا عبر منحهم فرص اقتصادية تمكنهم من بدء مشاريعهم الاقتصادية الخاصة ونفسياً عبر إعادة تأهييلهم للتخلص من انعكاسات حمل السلاح لسنوات طويلة وذلك فور انتهاء الصراع المسلح وبدء العملية الانتقالية. كما لابد من توفير برامج تدريبية متقدمة للكوادر العسكرية التابعة للقوات العسكرية السورية بعد سقوط النظام، وذلك لضمان احترافية عالية وعقيدة سليمة تعتبر حماية الوطن والمواطن وعدم التعرض لحقوقه وحرياته هو الواجب الحقيقي لهذه الأجهزة والقوات.

أما فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية

لا إمكانية لبدء عملية حقيقية من العدالة الانتقالية في سورية إذا لم تترافق مع انتهاء كامل للعنف ولآلة الدمار اليومية وبدء نوع من الاستقرار السياسي يتيح بدء عملية الانتقال السياسي نحو التعددية والديمقراطية والمصالحة بين السوريين ونهاية نظام الأسد الدكتاتوري ، فكما علمتنا كل تجارب العدالة الانتقالية عبر العالم فهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بمسار الانتقال السياسي كما أنها تعتمد بشكل رئيسي على توفر الإرادة السياسية والرؤية لدى كل اللاعبين والقوى السياسية على الأرض ، شعورها أولا بأن الاستقرار الأمني والسياسي يتطلب إطلاق عملية العدالة الانتقالية يشعر الضحايا معها أن المسؤولين عن ارتكاب الجرائم بحق أبنائهم وبناتها سيمثلون أمام العدالة وأن زمن الإفلات من العقاب والمحاسبة انتهى ، ويشعر السوريون كلهم بدون استثناء أن هناك مسارا للمصالحة الوطنية يشترك به كل ممثليهم وقواهم بهدف ضمان التعددية الكافية والصدقية الضرورية.

لا يمكن لأحد أن يتحدث باسم الضحايا أو ينطق باسمهم ، وقضية العدالة بالنسبة لهم لا تسامح معها ولا التفاف أو تهاون فيها ، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة السورية كمؤسسات ذات صدقية في عيون المواطنين السوريين ندرك حجم الأذى الفادح الذي لحق  بالجهاز القضائي وبدوره في الحياة العامة في سورية، وعليه فلن يكون النظام القضائي معدا أو مهيأ أو حتى قادرا على إطلاق عملية المحاسبة الضرورية التي ينشدها أهل الضحايا ، وإذا أخذنا بعين الاعتبار الانقسام المجتمعي الحاصل في سورية اليوم بسبب الموقف من الاسد ومليشياته وتصعيد الأسد عبر التخويف أو تحريض المكونات المجتمعية السورية ضد بعضها البعض من خلال تأسيس مليشيات الشبيحة الطائفية فهي ستمثل تهديدا متزايدا للاستقرار ولبدء أية عملية للمحاسبة والعدالة وهنا يأتي خيار اللجوء إلى ما يسمى العدالة الدولية فجرائم الاسد في الحرب وجرائمه ضد الإنسانية تدخل بكل تأكيد في اختصاص محكمة الجنايات الدولية ولكن وبسبب الموقف الروسي في مجلس الأمن الذي يمنع إحالة الجرائم المرتكبة في سورية إلى محكمة الجنايات الدولية ولذلك يبدو خيار المحكمة الدولية المختلطة هو الخيار الأفضل بالنسبة لسورية اليوم ومن موقعي كرئيس لهيئة العدالة الانتقالية السورية المشكلة من قبل الحكومة المؤقتة سيكون هدفنا العمل على تأسيس هذه المحكمة وباسرع وقت ممكن، إن خيار العدالة في مجتمعات منقسمة يبقى الخيار الأفضل لأنه سيرسل الرسالة إلى كل السوريين أن الانتقام ليس هو الهدف كما أنه يطمئنهم أن أشد معايير العدالة والشفافية الدولية سيجري ضمانها ولكن يكون الهدف استهداف طائفة بعينها أو محاسبتها وإنما تأسيس مسار للعدالة يضمن تأسيس سورية المستقبل على أسس صحيحة ، وبنفس الوقت فإن ذلك يعطي ثقة اكبر من المجتمع الدولي بالنظام الجديد والتزامه بالعدالة والمصالحة ولا مكان لسياسات الثأر أو الانتقام ضمن برنامجه ، فالسوريون سيحتاجون إلى المجتمع الدولي الذي خذلهم لإعمار بلدهم وبناء مؤسساتهم المستقبلية بكل الأحوال وبناء الثقة فيه مسألة في غاية الأهمية ، لكن عليهم أن يدركوا أيضاً أن هناك حدودا للمساعدة يمكن أن يقدمها المجتمع الدولي وأن عليهم في النهاية الاعتماد على أنفسهم في بناء ديمقراطيتهم في المستقبل.

أما فيما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي

إن أبرز الأولويات التي سيواجهها السوريون في المرحلة الانتقالية هي الاستجابة للحاجات الأمنية للاقتصاد في ظل دخول سوريا في أزمة وكارثة إنسانية كبيرة لم تشهدها في تاريخها أبداً من قبل، فتم اقتراح خطوات محددة للانتقال المباشر والمتدرج للانتقال بالاقتصاد السوري نحو التحرر والانفتاح وتخفيف الأعباء والضرائب عن المواطنين، وخلق مزيد من فرص العمل، وفتح الباب أمام المستثمرين من خلال سياسات تشجع الاستثمار. كما لابد من وضع جدول زمني محدد لإعادة هيكلة القطاع العام الذي يمتاز بحالة من البيروقراطية الشديدة والمعيقة لأي تقدم اقتصادي. والعمل السريع والجاد لإعادة الأموال المجمدة في الخارج، ولرفع العقوبات الاقتصادية عن الدولة السورية.

إن خلاصات وتقارير ورشات عمل بيت الخبرة السوري والتي شارك فيها أكثر من 300 مشارك من الخبراء والنشطاء وقادة المعارضة السياسية والجيش الحر شكلت بمجملها تقرير (خطة التحول الديمقراطي في سوريا) والذي يتضمن خطة تفصيلية للمرحلة الانتقالية اليوم ولما بعد الأسد وفق السيناريوهات المختلفة، بمعنى سواء تمت التسوية من خلال ما يعرف بمؤتمر جنيف وتم تشكيل حكومة انتقالية فإن التوصيات التي يقدمها هذا التقرير تبقى صالحة بكل تأكيد، أو تشكل سيناريو آخر تمثل في سقوط الأسد عسكرياً إما عبر تدخل خارجي أو بسبب القوة المتعاظمة للجيش السوري الحر فإنه لابد من المرور على التوصيات التي يقدمها التقرير لأنها تبقى صالحة لعبور المرحلة الانتقالية باتجاه بناء نظام ديمقراطي يشكل طموح السوريين والأمل الذي انطلقت من أجله الثورة السورية.

في النهاية لا أبد أن اشكر بكل كلمات المحبة والامتنان إلى المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ممثلاً في رئيسه الدكتور عزمي بشاره وكل فريق العمل في المركز على الإعداد والتحضير ودعم خطة التحول الديمقراطي منذ لحظتها الأولى، ولن أزيد عن القول أنني لا أجد شخصاً تمعن في فهم سورية تاريخاً وثورة كما حاول الدكتور عزمي في كتابه المرجعي (سورية: درب الآلام نحو الحرية) ، فهو يستفيض في شرح ما حاولت تلخيصه اليوم، فقد ذكر بدقة الباحث ما بدأت به حديثي في الإجابة على سؤال هل يمكن إسقاط النظام السوري بدون المرور على تدمير مؤسسات الدولة السورية بالقول ,انا هنا أقتبس ” ليست شمولية النظام السوري هي ‘سر’ استعصائه على الفهم ولا بطشه البوليسي ولا ‘حصانته’ الداخلية المتكئة على سياسته الخارجية ‘الممانعة’ التي كشفت الثورة السورية زيفها التام.. كلا، لا يكمن استعصاؤه في أي واحد مما ذُكِر على حدة ولا فيها كلها مجتمعة، بل في ‘جوهر’ النظام نفسه الذي تشكل ‘الهوية’ الأقلوية عصبيته (بالمعنى الخلدوني) وتشدُّ أركانه وقواعده في لحمة واحدة، وفي مصير مفترض واحد .

وهي تماماً الخلاصة التي تحاول خطة التحول الديمقراطي البناء لبناء مؤسسات جديدة للدولة السورية تقوم على عقد اجتماعي جديد وليس على فكرة العصبية القبلية أو الطائفية ، وفي النهاية لا بد أن أوجه شكرا خاصا إلى أخي وصديقي الدكتور حازم نهار الذي عرف كثيرا بكتاباته النقدية للمعارضة السورية لخطابها وبناها وتوجهاتها ، فأقول له ربما تفلح هذه الندوة في خلاصاتها ومخرجاتها في تحقيق شيء مما تصبو إليه ، فإليك مني كل الشكر على تنظيم هذه الندوة

وكل الشكر في النهاية إلى كل المشاركين من بيت الخبرة السوري ومن خارجه على حضورهم ومشاركتهم فكل أرائهم وملاحظاتهم وانتقاداتهم ستسهم بكل تأكيد في تعميق النقاش حول خطة التحول الديمقراطي وسبل تحويلها إلى أداة فعل وتغيير حقيقي على الأرض.

تم نشر هذه الكلمة في جريدة زمان الوصل على الرباط التالي: http://www.zamanalwsl.net/news/43251.html