أي نظام بعد الأسد؟

المستقبل – الثلاثاء 26 تشرين الثاني 2013 – العدد 4873

المستقبل – الأربعاء 27 تشرين الثاني 2013 – العدد 4874 – الصفحة الأولى – صفحة 1

المستقبل – الخميس 28 تشرين الثاني 2013 – العدد 4875 – ملف – صفحة 15

الجربا: سوريا الجديدة قلب العروبة النابض بالانفتاح

"سوريا الأسد" انتهت. السؤال الآن: كيف ستكون "سوريا المستقبل" التي ستولد من رحم ثورة مستمرة منذ 33 شهراً؟ وأي نظام سيقوم بعد "العقود الأسدية" التي حَرَمت السوريين من حق الحرية والعدالة والمساواة بل ومن أبسط حقوقهم الانسانية؟

"أي نظام بعد الأسد؟" سؤال يطرحه العالم ويشغل العرب عموماً واللبنانيين خصوصاً وهم أكثر المعنيين والمتأثرين بأي نظام في سوريا وقد خبروا ذلك، بمرارة أحياناً كثيرة، منذ الاستقلال .

"المستقبل" طرحت هذا السؤال على مجموعة من أركان المعارضة السورية في محاولة لملامسة أجوبة يمكن أن تبدّد سواد الصورة المشوّهة لمستقبل سوريا، التي يروّجها النظام وحلفاؤه لتعميم كذبة الخوف أو التخويف على مصير الأقليات وعلى مصير سوريا كلها، في حال سقوط النظام .

"أي نظام بعد الأسد؟"… ملف جديد يحاول الاجابة من خلال حوارات ونقاشات مع أركان الائتلاف الوطني المعارض وخبراء اقتصاد وأمن يدورون في فلك الثورة السورية، إضافة الى نصوص حصلت عليها "المستقبل من "خطة التحول الديموقراطي في سوريا" التي أعدّها "بيت الخبرة السوري"، وهي وثيقة وضعت بعد أبحاث ونقاشات مستفيضة حدّدت رؤية للمرحلة الانتقالية في سوريا بعد الأسد، انطلاقاً من مبادرة أطلقها المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية .

في الحلقة الأولى اليوم يتحدث رئيس "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" أحمد الجربا عن النظام السياسي المنشود و"الأصلح" بعد سقوط النظام، وصلاحيات الرئيس والتوازن بين السلطات، وإصلاح الدستور خصوصاً "ما يؤرق السوريين لجهة نموذج الحزب الواحد"، مشدداً على أن سوريا الجديدة "ستلعب عن حق دور قلب العروبة النابض بمعناها الحقيقي المنفتح والمعتدل ".

يقول الجربا: "النظام السياسي الصالح لسوريا هو أولاً وقبل أي شيء، النظام الذي يحظى بأصوات أغلبية السوريين خلال عملية استفتاء عام. وبالنسبة لي أعتقد أن النظام الأصلح هو النظام المدني التعددي الديمقراطي الذي يكفل حرية التعبير والذي يراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية للشعب السوري بعيداً من الاستحضار التعسفي أو الإسقاط المباشر لأي نوع من الأنظمة الغربية الجاهزة. فالنظام السياسي هو في اعتقادنا عملية انتاج يفرزها الجسم السوري بكل مكونات شرائحه، مستعيناً بالنماذج المتّبعة في الدول المتشابهة مع سوريا في تركيبها السياسي وتنوعها. أما بالنسبة للنموذج السوري الأفضل في تاريخنا المعاصر، فأتفق مع الرأي الذي يقول بأن الدستور البرلماني الرئاسي هو الأنسب بعد اجراء تعديلات عدة عليه ليتماشى مع العصر ويراعي المتغيرات التي أفرزتها التجربة السورية المريرة مع نظام آل الأسد، اضافة الى المتغيرات الجذرية التي أحدثتها الثورة ".

أما في اصلاح الدستور فيقول الجربا: "إننا في صدد رعاية ورشة عمل قضائية قادها وأشرف عليها كوكبة من الحقوقيين والقضاة الذين تعاونا معهم بكل قوانا. وأنجزوا مسودتين للدستور. وقد وضعنا هذا الجهد الجبار في إطار العمل على إيجاد أرضية لمناقشة الدستور القادم مع كل القوى التي بدأنا استمزاج رأيها وتسجيل ملاحظاتها. وعندما ينتهي العمل سيكون مطروحاً كمسودة للنقاش مع مختلف القوى تمهيداً للخروج بمشروع دستور لعرضه على الاستفتاء العام ".

ويؤكد أن "ما يؤرق السوريين ويقضّ مضاجعهم هو نموذج الحزب الواحد الحاكم بأمره، والذي أوصلنا الى خراب سياسي واجتماعي واقتصادي، ودمّر حياتنا الثقافية. من هنا اعتقد بل أجزم أن السوريين سينحازون بغالبيتهم الساحقة الى نظام التعددية الحزبية الحقيقية، التي تسهم في عملية تداول السلطة، انطلاقاً من مبدأ المشاركة التي تحفظ الاختلاف والمختلف، بعيداً عن أي نوع من الاقصاء الذي مورس على الشعب السوري باسم حزب "البعث ".

لذلك يعتقد الجربا أن "المفتاح العجائبي الذي يثلج قلوب السوريين، سيكون انتخاب رئيس للجمهورية، بعدما نسينا هذه العادة ما يزيد على 40 سنة، حيث حلّت المبايعة العمياء بديلاً من الانتخاب الحر. وبالنسبة لمن ينتخب الرئيس فشكل الدستور الذي سيتم اعتماده بالاستفتاء هو الذي يحدده وان كنت أميل الى الانتخاب الحر المباشر من المواطنين. أما في ما يخص صلاحيات الرئيس فهي أيضاً منوطة بالدستور العتيد، ولكنني ممن يعتقدون بأن صلاحيات الرئيس اذا كان النظام رئاسياً يجب أن تكون واسعة وتشمل الدفاع مع الأخذ في الاعتبار صلاحيات البرلمان وسلطاته التشريعية والرقابية، اضافة الى المحافظة على صلاحيات مجلس الوزراء وحدود اختصاصات وزاراته ".

ويشدد على أهمية "التوازن بين السلطات وفصلها مع وجود هامش موسّع للرئيس هي برأينا المعادلة التي ترسم الصلاحيات الرئاسية ونظام الحكم ".

ويتحدث الجربا عن دور سوريا ووظيفتها الاقليمية بعد سقوط النظام فيؤكد أن الشعب السوري هو الذي سيحددها عند اختيار نظامه ودستوره. ولكن مما لا شك فيه ان هذا الشعب يحمل في وجدانه وثقافته العروبة بمكوناتها الثقافية والسياسية وبمختلف شؤونها وشجونها. لذلك اعتقد ان سوريا الجديدة ستلعب عن حق دور قلب العروبة النابض، لكننا سنكون أمام العروبة بمعناها الحقيقي أي المنفتحة والمعتدلة التي تفرد مساحة للاختلاف وتحمي التنوع والتعددية وتشكل مظلة حضارية لتفاعل الثقافات والأديان والعرقيات بحرية كاملة. وعندما نقارب هذا النمط من العروبة النابضة في القلب السوري يصبح واضحاً التموضع الطبيعي لسوريا التي ستنحاز إلى عروبتها آخذة في الاعتبار تجربة الثورة التي أفرزت مواقف واضحة من قبل الأشقاء العرب الذين أبدوا دعماً واضحاً في مقابل دول استجدّت كعدو للشعب السوري في المنطقة وأولها إيران. أما بالنسبة لإسرائيل فموقف السوريين لم ولن يتغير منذ النكبة ما لم تلتزم اسرائيل بمتطلبات السلام التي أدرجت في المبادرة العربية وما زالت اسرائيل تتنصل منها ".

ويشدد على أن الاعلام والحريات العامة "ستكونان موضع عناية خاصة، كون هذه القضية موضع حساسية عالية من قبل السوريين. فقد تلوّعنا من الرأي الواحد. لذلك ستكون التعددية وصيانة حرية التعبير، الرد الطبيعي على الحالة الكارثية التي سبقت الثورة. ولن نرضى بأي قيد على حرية الاعلام والتعبير، من دون أن يعني ذلك تجاوز حدود القانون التي تحمي الاعلام من التحول الى فوضى باسم الحرية ".

أما الحركات التكفيرية فيقول إنه "عندما يتم الحديث عنها ينصرف الذهن الى جماعات معينة تنتمي الى الاسلام السياسي. أريد أن ألفت النظر الى أن التكفير كنزعة إلغائية لا ينحصر في جماعية معينة أو دين معيّن، ولا أعفي العلمانيين أو من يدعون العلمانية من التكفير بمعنى الالغاء، وإلا كيف نفهم عمليات الإلغاء والاقصاء والمجازر الجماعية التي مارسها نظام البعث "العلماني" بحق الشعب السوري .

التكفير أو الإلغاء هو نزعة مدمّرة لأي شعب ولا يمكن للشعب السوري أن يتسامح بعدما اختبرها مع نظام الأسد بأبشع ألوانها وما زال يعانيها بعنف من الأسد وأدواته وبعض الغرباء أو المتغربين عن ثقافة وقيم الشعب السوري ".

صبرة: السوريون لا يُسألون عن مصير الأقليات

"سوريا الأسد" انتهت. السؤال الآن: كيف ستكون "سوريا المستقبل" التي ستولد من رحم ثورة مستمرة منذ 33 شهراً؟ وأي نظام سيقوم بعد "العقود الأسدية" التي حَرَمت السوريين من حق الحرية والعدالة والمساواة بل ومن أبسط حقوقهم الانسانية؟

"أي نظام بعد الأسد؟"، سؤال يطرحه العالم ويشغل العرب عموماً واللبنانيين خصوصاً وهم أكثر المعنيين والمتأثرين بأي نظام في سوريا وقد خبروا ذلك، بمرارة أحياناً كثيرة، منذ الاستقلال.

"المستقبل" طرحت هذا السؤال على مجموعة من أركان المعارضة السورية في محاولة لملامسة أجوبة يمكن أن تبدّد سواد الصورة المشوّهة لمستقبل سوريا، التي يروّجها النظام وحلفاؤه لتعميم كذبة الخوف أو التخويف على مصير الأقليات وعلى مصير سوريا كلها، في حال سقوط النظام.

"أي نظام بعد الأسد؟"… ملف جديد يحاول الاجابة من خلال حوارات ونقاشات مع أركان الائتلاف الوطني المعارض وخبراء اقتصاد وأمن يدورون في فلك الثورة السورية، بالاضافة الى نصوص حصلت عليها "المستقبل من "خطة التحول الديموقراطي في سوريا" التي أعدّها "بيت الخبرة السوري"، وهي وثيقة وضعت بعد أبحاث ونقاشات مستفيضة حدّدت رؤية للمرحلة الانتقالية في سوريا بعد الأسد، انطلاقاً من مبادرة أطلقها المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية.

في الحلقة الثانية اليوم يتطرق رئيس المجلس الوطني السوري المعارض جورج صبرة الى قضية مصير الأقليات في سوريا بعد سقوط النظام الذي لم يترك ذريعة إلا واستخدمها لتخويف خصومه قبل حلفائه على مصير تلك الأقليات، ويستغرب الحديث عن ذلك في بلد ترأسه أكثر من رئيس مسيحي وكردي وتزعّم ثورته التاريخية درزي.

زيادة: سوريا الجديدة.. نظام برلماني وصلاحيات فخرية للرئيس

يُعدّ الدكتور رضوان زيادة، مدير المركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية، والذي عيّن مؤخراً رئيس هيئة العدالة الانتقالية، احد ابرز الباحثين في مستقبل سوريا بعد سقوط نظام الاسد. بدأ ذلك في تشرين الاول من العام 2012 عندما عقد زيادة والمركز الذي يديره مؤتمراً تحت عنوان "ادارة المرحلة الانتقالية في سوريا" في اسطنبول بعد الشعور بحاجة المناطق المحررة الى ادارة تؤمن خدمات المواطنين، فصدر عن المؤتمر توصية اساسية بتشكيل حكومة في المنفى او "انتقالية".

مضى عام كامل على هذا المؤتمر ولم تشكل حكومة فتضاعفت الفوضى في المناطق المحررة ما دفع زيادة ومجموعة من الخبراء الى تأسيس "بيت الخبرة السوري" وهو يتألف من 300 شخص من قادة المجالس المحلية وقادة من "الجيش الحر" و"الائتلاف الوطني السوري" المعارض اضافة الى محامين وديبلوماسيين وقضاة منشقين ونشطاء. انقسمت هذه المجموعة الى ست فرق عمل تعنى بالاهتمامات الآتية: الاصلاح الدستوري، الاصلاح السياسي، العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، اعادة بناء الاجهزة الامنية وجيش وطني حديث، نظام الانتخابات والاحزاب، الاصلاح الاقتصادي وإعادة الإعمار.

هذه الفرق تجتمع مرتين او ثلاث مرات سنوياً. مجموعة التقارير التي وضعتها في العام الاول شكّلت ما يسمى "خطة التحول الديموقراطي في سوريا"، التي تتضمن تصوراً متكاملاً لسوريا بعد سقوط النظام من جهة، وآخر لكيفية ادارة المرحلة الانتقالية من جهة ثانية. هذه الخطة عرضها زيادة امام الهيئة العامة للائتلاف السوري في اجتماعه قبل اسبوعين في اسطنبول، وقد يتسلّح بها في مؤتمر جنيف 2، في اطار مناقشة المرحلة الانتقالية.

وكان الموفد الاممي العربي الاخضر الابراهيمي اطلع على هذه الخطة سابقاً، وسوف يقوم وفد من المعارضة السورية بعرض هذه الخطة في واشنطن وبروكسل والرياض والدوحة وانقرة للغاية نفسها.

لم يجر بناء "خطة التحول الديموقراطي في سوريا" انطلاقاً من الواقع وحسب، وانما تمت دراسة تجارب مختلفة للتحول الديموقراطي في العالم، فزار رضوان زيادة 80 بلداً، آخر زيارتين كانتا لايرلندا الشمالية وللبوسنة والهرسك حيث تبين له ان نظام لبنان الطائفي، مثلا، اكثر تطوراً بأضعاف من نظاميهما: "كان همنا تجنب نظامي لبنان والعراق الطائفيين، لكن بدا لي بعد الاطلاع على تجربة المحطتين الاخيرتين ايرلندا الشمالية والبوسنة والهرسك ان نظام لبنان متقدم جداً. ذلك ان اتفاقية دايتون التي انهت الصراع في البلقان انتجت نظاماً فريداً في العالم لا مثيل له، لان في دولة البوسنة والهرسك جمهورية تدعى سيريسكيا خاصة بالصرب وفيدرالية تدعى البوسنة والهرسك، اي اننا امام جمهورية ودولة وفيدرالية في آن. في الفيدرالية نفسها ثمة ترويكا ثلثها للبوسنيين وثلث للكروات وثلث للصرب. وعلى كل مستوى هناك طبقتان: برلمان وحكومة وبالتالي من المستحيل التوافق على شيء ضمن البرلمان لان ثمة خلافا على المستويين الفيدرالي والجمهوري، ولم يتمكن هؤلاء حتى اليوم من تطوير نظامهم الذي جرى تركيبه فقط من اجل انهاء الحرب وارساء الاستقرار الامني".

يضيف زيادة: "بعد اطلاعنا على هذه التجربة ساورنا قلق من امكان تكرار هذه التجربة في سوريا بعد سقوط النظام، لان الدول الكبرى التي تواكب نزاعات معينة في دول اخرى لا تأخذ في الاعتبار الجذور التاريخية لاي نزاع، مثل السؤال عن اسباب قيام الثورة السورية مثلاً، وبالتالي لا تبحث عن حلول سياسية لهذه الازمة او تلك بقدر ما تبحث عن حلول امنية. فاذا نظرت الدول مثلاً الى الازمة السورية من منظار طائفي وتريد ضمان موقع للعلويين مثلاً تنشئ نظاماً طائفياً، وهذا ما نريد تجنبه لانه لا يعالج المشكلة. وهذا ما يفترض بنا في حال واجهنا في مؤتمر جنيف 2 اقتراحات من نوع تشكيل حكومة محاصصة ان نرفض على الفور هكذا اقتراحات".

نظام "العتبة البرلمانية"

لذلك يشرح زيادة ان "خطة التحول الديموقراطي" التي تم وضعها حددت بوضوح النظام الافضل لسوريا الجديدة. ويضيف انه بسبب ان سوريا تخرج من ثورة شعبية "فمعنى ذلك ان نسبة المشاركة الشعبية عالية ويترافق ذلك مع ارتفاع مستوى الوعي السياسي عند الشرائح الشعبية ما يفترض ان ينعكس في المؤسسات القادمة كلها. وهذا يبدو جلياً من كثافة عدد المنسقيات والمجالس المحلية في المناطق التي تعكس مستوى الرغبة في المشاركة السياسية. لذلك نرى في خطتنا المشار اليها ان افضل نظام لسوريا الجديدة هو النظام البرلماني بحيث تكون الصلاحيات التنفيذية بيد رئيس الوزراء، اي رئيس الحزب الذي يحصل على اكبر نسبة من الاصوات".

يتابع: "ولان في سوريا انقساماً طائفياً واثنياً قد يفشل النظام البرلماني في تشكيل حكومة كما هو الحال في لبنان والعراق حالياً، لذلك اقتراحنا للبرلمان اعتماد ما يسمى "العتبة البرلمانية"، اي النسبة التي يفترض بأي حزب الحصول عليها كحد ادنى من المقاعد (5 بالماية) لتؤهله الدخول الى البرلمان. وهذا يضمن بقاء المرشحين ضمن احزاب وتكتلات والا تسود الفوضى. ففي تونس مثلاً كل شخصين يمكنهما تأسيس حزب، أما في سوريا فكل شخص يمكن ان يؤسس حزبين، وهذا يقود الى تذرر الحياة السياسية". ويؤكد بأن نظام "العتبة" معتمد في تركيا (10 بالماية) ودول اوروبا الشرقية (2 بالماية)".

في الاصلاح الدستوري يقول زيادة ان سوريا "عرفت منذ الاستقلال 15 دستوراً مما اضعف الثقافة الدستورية بسبب تغيير الدستور بصورة متواصلة، بخلاف مصر التي شهدت احزاباً قامت على الحركة الدستورية. لذا اوصينا بالعودة الى دستور 1950 لانه الدستور الوحيد في تاريخ سوريا الذي تم وضعه من خلال جمعية دستورية منتخبة، وتمت العودة اليه مرتين بعد انقلابين عسكريين. لكن لدى قراءتنا لهذا الدستور وجدنا ان بعض مواده لم تعد صالحة للمرحلة الراهنة. لذلك على الحكومة الانتقالية التي شكلت ان تعلن مبادئ دستورية تكون عبارة عن الموجه الرئيسي مع الاصالة الرمزية لدستور 1950".

البرلمان الجديد: 290 نائباً
اما في الاصلاح الانتخابي فيقول زيادة ان "كل برلمانات العالم يمثل عدد اعضائها ما يسمى الجذر التكعيبي لعدد السكان، واذا استندنا الى احصاء سوريا العام 2010 يفترض ان يكون عدد اعضاء البرلمان العتيد 290 نائباً (حالياً 250 عضواً في مجلس الشعب). اما بالنسبة الى النظام الانتخابي فثمة ثلاثة انظمة في العالم: التمثيل النسبي، ونظام الاغلبية (كبريطانيا والهند) والمختلط، اي المزج بين الاكثري والنسبي. نحن اخترنا النظام النسبي على اساس ما يسمى القائمة المفتوحة. فالحزب المعني يضع اسم الحزب وليس اسماء المرشحين، اعتمد ذلك في العراق في اول انتخابات بعد الغزو، اي قوائم مغلقة، اما نحن فنريدها مفتوحة وخصوصا في المرحلة الانتقالية افساحاً في المجال امام الشرائح الشعبية لاختيار ممثلي الاحزاب ايضاً وليس الاحزاب وحدها".

ويضيف زيادة: بالنسبة للدوائر الانتخابية في ظل حكم البعث كانت تعتمد المحافظة دائرة انتخابية باستثناء حلب التي قسّمت الى دائرتين فكانت سوريا كلها 15 دائرة، ولم يكن التمثيل الشعبي حقيقياً بسبب الحجم الكبير للدوائر، حيث لا يمكن الفوز لغير الاحزاب الشمولية والكبرى. اما نحن في خطتنا لسوريا الجديدة فقسمنا البلاد الى 32 دائرة وفق نظام المناطق لانه كلما صغرت الدائرة كبر التمثيل. ومن خلال هذه الصيغة ضمننا تمثيل الاقليات، اي من خلال المناطق وليس من خلال نظام الكوتا لان الشعب يكره الكوتا. مع اقامة دوائر صغرى تضمن في المناطق تمثيلاً افضل للمسيحيين والارمن والعلويين وغيرهم وننقل الصراع السياسي الى داخل البرلمان. اما نظام الكوتا فسوف نطبقه على الاحزاب، بمعنى ان تسجيل لوائح الاحزاب يشترط نسبة فيها للمرأة وبذلك يكون تمثيل المرأة عادياً، وكذلك بالنسبة الى ذوي الاحتياجات الخاصة نسبة محددة بسبب وجود عدد كبير من الجرحى والمصابين ونحن فخورون بهم ويجب ان يشاركوا في الحياة السياسية".

رئيس جمهورية فخري
ربما تكون صلاحيات رئيس الجمهورية في سوريا الجديدة التطور الاهم في التحول من نظام ديكتاتوري الى آخر ديموقراطي مع اقتراح ان تكون هذه الصلاحيات "فخرية"، كما يقول زيادة، لانها يفترض ان تكون بيد رئيس الوزراء الذي ينبغي هو الآخر ان يكون ممثلاً لاكبر حزب في البلاد حصل على اكبر عدد من الاصوات: "البرلمان ينتخب رئيس الجمهورية ومدة ولايته 4 سنوات، ولا يجوز أي ذكر لطائفته او لطائفة غيره في الدستور، اما السلطة القضائية فهي مستقلة ولا تعود رئاسة مجلس القضاء الاعلى مناطة برئيس الجمهورية (وفق النظام الحالي) لان في ذلك اكبر انتهاك لاستقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية. لذلك تتضمن "خطة التحول الديموقراطي في سوريا" توصيات دقيقة وواضحة في ما يتعلق ببناء المجلس الاعلى للقضاء وآليات اختيار اعضائه من خلال السلك القضائي فقط ولا علاقة لرئيس الجمهورية بهذا الامر. وزير العدل يلعب دور مسهل عمل مجلس القضاء ولا يشرف عليه ايضاً وليس له اي دور وصاية عليه".

جهازان أمنيان فقط
اما الاجهزة الامنية فستعاد هيكلتها، يضيف زيادة موضحاً ان "في سوريا الآن اربعة اجهزة: المخابرات العامة، المخابرات العسكرية، المخابرات الجوية والامن السياسي. كلهم تأسسوا مع الرئيس حافظ الاسد. ولكل ادارة من هذه الاجهزة عدد كبير من الفروع في المحافظات وفي العاصمة، لذلك يعتقد السوريون ان في سوريا اكثر من مئة جهاز امني. مثلاً رئيس فرع الامن الداخلي الحالي اللواء محمد ناصيف يتبع ادارياً لمدير ادارة المخابرت العامة لكن بسبب صلته المعروفة برئيس الجمهورية يبدو انه رئيس جهاز مستقل لوحده، وهو لا يرفع تقريره لمديره وانما لرئيس الجمهورية الذي وضع هذه الصيغة لتبقى كل الاجهزة تحت سيطرته المباشرة ولتراقب بعضها البعض. لذلك نقترح في "خطة التحول" حل كل هذه الاجهزة وتأسيس جهازين فقط: الامن الوطني (للداخل" والاستخبارات الخارجية للخارج)، شرط ان يكون هذان الجهازان جزءاً من مجلس الامن الوطني، كما هو الحال في الولايات المتحدة الاميركية، حيث يرأس هذا الجهاز (الامن القومي) رئيس الوزراء ويضم وزيري الدفاع والداخلية. كما تشكل لجنة تشريعية في البرلمان مهمتها مراقبة هذه الفروع بحيث يتم ضمان ان تتبع هذه الاجهزة لسلطة مدنية، بالاضافة الى عرض موازنة الدفاع على البرلمان ومناقشتها وليس كما هو الحال الآن حيث يصل رقم اجمالي لموازنة الدفاع الى البرلمان ولا يعرف النواب ولا يسألون ايضاً، كيف صُرفت والى اين ذهبت الاموال، كما هو حال موازنة النفط".

دور سوريا الإقليمي
يبقى السؤال: سوريا بالامس واليوم احتلت موقعاً اقليمياً بارزاً، هل يمكن ان يبقى لها هذا الدور بعد سقوط النظام؟
يجيب زيادة: "تميز حافظ الاسد ببناء دور اقليمي لسوريا بعد ان كان دورها صغيراً يصارع عليه الجوار. دشن الاسد هذا الدور منذ البداية مع تدخله في لبنان العام 1976، اي على حساب لبنان، وعلى حساب الشعب السوري الذي دفع ثمن ذلك، بعد الثورة السورية انهار الدور الاقليمي، حتى صار لبنان يتدخل في سوريا من خلال "حزب الله".

اما الدور الجديد لسوريا الجديدة فيجب بداية، اي بعد سقوط النظام، اعادة الاولوية الى الداخل السوري وبناء سياسة داخلية والتماسك الاجتماعي، مع الحفاظ على علاقة حسنة مع الجوار وخصوصا مع الذين احتضنوا الشعب السوري خلال النزوح، اي باستثناء ايران و"حزب الله". سوريا بعد سقوط النظام ستكون منهمكة بقضاياها الداخلية وبحاجة الى الاستقرار وسيكون هم احزابها التركيز على السياسة الداخلية لفترة طويلة من الزمن، ومن ثم نعود الى بناء سياسة حسن جوار مع الدول مثل الاردن الذي يخشى من النظام السوري الحالي، ولبنان الذي يفترض وقف سياسة الوصاية تجاهه او تجاه غيره وبناء علاقات احترام متبادل، ووقف المتاجرة بالقضية الفلسطينية، مع بقاء الجولان قضيتنا الاساسية".

 

جورج بكاسيني