أي نظام.. بعد الأسد؟ (6)

المستقبل – الأحد 1 كانون الأول 2013 – العدد 4878 – الصفحة الأولى – صفحة 1

سعد الدين: الجيش للشعب لا للأسرة

جورج بكاسيني

إن إصرار النظام السوري على الحل الأمني في معالجة مطالب الثورة، واستمراره في حربه ضد شعبه وتدمير البنى التحتية وتحطيم مقومات الدولة وأسسها، دفع السوريين الى الدفاع عن النفس وحماية الثورة الشعبية عبر الجيش الحر الذي تشكّل من انشقاقات في الجيش النظامي ومن الثوار.

وبين أداء جيش مرتهن للنظام ودمّر البلاد، وبين نواة جيش حرّ يحرر الوطن، وجدت الثورة السورية في أحد أهم أهدافها أن تفكر في إعادة بناء جيش سوري وطني حديث يحمي وحدة التراب والشعب. وعلى الرغم من انهيار فكرة الجيش الوطني في عيون السوريين بسبب تورطه الواسع في قتل المدنيين وقصفهم، إلا أن معظم السوريين يرون أن هذا الجيش الذي ارتبط اسمه منذ نشأته مع يوسف العظمة، وقدّم الملاحم والتضحيات في سبيل أخوة الدم والتراب، هو كفكرة مؤسسة وطنية أصيلة وسياج لحماية الدولة.

انطلاقاً من هذه الغاية والأهداف الكبرى للثورة السورية حدّدت “خطة التحوّل الديموقراطي في سوريا” مجموعة مبادئ لبناء الجيش الوطني بعد سقوط النظام على النحو الآتي:

الحفاظ على مؤسسة الجيش بكل مكوناتها، وإعادة بناء جيش وطني عصري لكل السوريين ومن كل السوريين، وفق معايير الكفاءة والتدريب المستمر، والولاء الوطني الأصيل، وتأمين كافة مستلزماته العصرية المختلفة.

بناء الثقة المفقودة بين الجيش الوطني المرتهن في ظل النظام الراهن والمجتمع السوري المقيّد، عبر أداء وظيفي للمؤسسة العسكرية يندرج تحت سلطة مدنيّة (وزير دفاع مدني)، وإبعاد الجيش عن ساحة السياسة والتعبئة الإيديولوجية والانتماءات التقليدية، ليكون مؤسسة وطنية مستقلة وحيادية ومهنية.

الدفاع عن سيادة سوريا كدولة مستقلة، وعن وحدة أراضيها وفق حدودها السياسية، والعمل على إنجاز حقها في تحرير أراضيها المحتلة. والسهر الدائم على حماية الدستور والقانون والنظام العام.

إن هذه الغايات الكبرى للجيش السوري الوطني الجديد، ستكون بمثابة البوصلة التي ستعيد الجيش السوري نحو مساره الوطني الضامن لحماية وحدة التراب والشعب، والحامي لحدود الدولة السورية، وستحوّله من أداة مراقبة وتسلط وقتل وتدمير، إلى مؤسسة وطنية لها رمزيتها ومكانتها ومهماتها وإنجازاتها في ذاكرة المواطن السوري وضميره.

 

خطوات إصلاح الجيش

تُشكل الخطوات الإجرائية التالية الإطار العام لإصلاح الجيش وإعادة بنائه وفق معايير الاحتراف والوطنية والمؤسساتية:

تشكيل وحدات عسكرية للتدخل السريع، من بعض ضباط الجيش الحر، والضباط المتقاعدين الوطنيين، ومن تبقّى في السلك العسكري من الضباط الشرفاء، مهمتها الحفاظ على المواقع العسكرية التي تحتوي على أسلحة ثقيلة أو أسلحة غير تقليدية عبر إجراءات محكمة وموثقة، فور إسقاط النظام.

تشكيل لجنة عسكرية عليا لإصلاح الجيش السوري وإعادة بنائه، تضم خبراء عسكريين إلى خبراء من مختلف الاختصاصات، إضافة إلى خبراء في علم الاجتماع العسكري, لتحديد احتياجات الجيش وتقويم الواقع والمطلوب.

طمأنة ضباط الجيش وعناصره من أن إصلاحات الجيش وإعادة بنائه، هي خطوة في سبيل تحسين أوضاعهم المهنية والمعيشية، وإعادة الاعتبار لمكانتهم الرمزية.

تطهير القطع العسكرية وتشيكلاتها المختلفة من الضباط الذين ارتكبوا جرائم بحق الشعب السوري والثورة السورية، وتقديمهم للمحاكمة، وتتبّع الهاربين منهم.

بعد سقوط النظام وتثبيت الأمن، تتشكل لجنة عسكرية ثورية مشتركة تعمل تحت إمرة وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية، لجمع السلاح من القوى الثورية وعناصر الجيش المنشقة وسحبه إلى الثكنات العسكرية ومستودعاتها، والعمل على تسجيله بحسب نوعه ومواصفاته ومصدره, وفق آلية مرنة وشفافة وموثقة، مع الأخذ في الاعتبار أن القوى العسكرية المختلفة للجيش الحر ستكون نواة الجيش المستقل في حفظ السلام والأمن في كل المدن والقرى السورية.

وضع آليات رقابة فعالة لمراقبة المؤسسة العسكرية وعناصرها، ورصد لسلوكيات وممارسات الضباط المسؤولين العسكريين، وتمكين قطاع الرقابة العسكرية من مراقبة ضباط الجيش وأدائهم المهني.

تقويم الوضع الراهن للتشكيلات العسكرية، ومقوماتها وعتادها، والعمل على التخلي عن استيراد الأسلحة الروسية، وتجديدها بأسلحة متطورة، عبر الاستيراد والتصنيع المحلي الذي يجب أن يولى الاهتمام الكافي في الفترة القادمة.

إجراء مراجعة شاملة لنظم ومناهج تدريب الكليات العسكرية، وتغيير مواد الدراسة بحيث تعكس مفاهيم الوطن والمواطنة والوطنية، وحماية الحدود والتراب ووحدة الشعب السوري، وفك الارتباط بين الجيش والعقائدية الحزبية والإيديولوجية.

تغيير معايير الترقية في وزارة الدفاع، بحيث تستند إلى مركب القدم والكفاءة والتدريب والمؤهلات. وتحرير الوزارة من ثقافة الفساد وذوي القربى والمصالح الشخصية، في الترقية والمراقبة والإدارة.

تحديث قيادات وزارة الدفاع وقيادات التشكيلات العسكرية، بالتدريب المستمر، وتحديث البنية التحتية للمؤسسات العسكرية وتزويدها بالمعدات والتجهيزات الحديثة، وبالأسلحة المتطورة، والعلوم العسكرية الحديثة.

احترام الجندي السوري، واعتبار الإنسان هو الأساس في التشكيلات والمواقع العسكرية، فلا قيمة للسلاح في الدفاع والتحرير، ما لم يكن العسكري حراً ومؤمناً بوطنه والقيم الوطنية التي من أجلها يضحي بدمه.

إخضاع الجيش والقوات المسلحة لإدارة مدنية تتماشى مع معايير عملية التحول الديموقراطي في البلاد، وتشكيل مجلس أعلى للجيش والقوات المسلحة برئاسة رئيس الدولة أو رئيس مجلس الوزراء أو قائد الجيش، كما يحدده شكل الدولة، مهمته رسم استراتيجية الحرب والسلام بالتنسيق مع القيادة السياسية للدولة.

دمج الثوار المدنيين في الجيش أو الأمن أو المؤسسات المدنية بحسب الممكن، وتدريبهم على مفاهيم المواطَنة وقبول الآخر، والعمل على ترخيص السلاح الخفيف لمن يرغب.

حجم الجيش وتركيبته وتوزعه على التشكيلات العسكرية والجغرافية السورية، مسألة تحددها وزارة الدفاع والمجلس الأعلى للجيش استناداً الى دراسة مختصة تُرفع الى رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء، أما الخدمة الإلزامية فيجب أن يتم اتخاذ قرار بشأنها من قبل البرلمان المنتخب، على أن يتم تعليق هذه الخدمة إلى حين اتخاذ هذا القرار وهذا يعتمد أيضاً بشكل رئيسي على نجاح سياسة نزع السلاح وإعادة الدمج.

 

التسريح وإعادة الدمج

تهدف سياسة إعادة الدمج إلى خلق بيئة سليمة وآمنة بعد انتهاء النزاع المسلح في سوريا والذي دفع الكثير من المدنيين السوريين إلى حمل السلاح، كما أن النظام قام بتسليح الكثيرين أيضاً من ميليشياته الموالية من ميليشياته من الشبيحة أو ما يسمى اللجان الشعبية أو جيش الدفاع الوطني والتي جميعها ميليشيات طائفية سلحها النظام بهدف القضاء على الثورة الشعبية، وبالتكامل مع برنامجي “نزع السلاح” الذي يستهدف إعادة الكثير من المسلحين إلى الحياة المدنية الطبيعية و”التسريح العسكري” الذي يهدف إلى تطهير المؤسسة العسكرية أو الجيش من الأشخاص الذين ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان بحق الشعب السوري.

إن برنامج إعادة الدمج يعتبر الخطوة الأخيرة في عملية نقل المقاتلين السابقين إلى بيئة ما بعد النزاع. وبشكل عام يتم تنظيم برامج نزع السلاح، والتسريح العسكري، وإعادة الدمج (DDR) لتكون على نحو متتالٍ، ويفضل دائماً أن يتم التخطيط لمرحلة إعادة الدمج قبل البدء بتنفيذ أي من العمليات السابقة، إذ تكمل هذه العمليات بعضها بعضاً.

تساعد برامج إعادة الدمج في تسهيل انتقال المجتمع السوري من النزاع إلى الحالة الطبيعية والتنموية. ويتمثل الهدف الأسمى لسياسة إعادة الدمج في دعم المقاتلين السابقين في سعيهم نحو الاندماج مع المجتمع المدني اجتماعياً واقتصادياً. ويجب خلال عملية التخطيط للبرنامج تعريف مؤشرات اضافية، منها النتائج المتوقعة. أيضاً من المهم التفكير وتحديد مصادر التمويل المحتملة بالاضافة الى حالة الأفراد المفترض استفادتهم من البرنامج.

 

سعد الدين

هذه المبادئ يشرحها الناطق الرسمي باسم المجلس العسكري الأعلى للجيش الحر العقيد الركن الطيّار قاسم سعد الدين لـ”المستقبل”: “نحن نتطلّع الى نظام جديد بعيد عن القمع الذي ساد على مدى أربعة عقود. نظام يحمي الشعب وليس النظام في ظل دولة ديموقراطية تراعي حرية كل المواطنين من كل الطوائف والأعراف. دولة مدنية تعددية”. ويضيف: “لا نريد في الجيش العتيد من تلطّخت يداه بدماء الشعب السوري فهؤلاء سيكون مصيرهم القضاء والمحاكم العادلة ولا مانع لدينا من رعاية عربية لهذا الأمر. وفي المقابل لا بد من إعادة هيكلة الجيش ودمج الجيش الحر في المؤسسة العسكرية الجديدة.

أما الأهم فيبقى أن يكون ولاء هذا الجيش للشعب وليس لنظام أو أسرة، ولاء الجيش اليوم هو لأسرة وهذا أمر غير مقبول، ولن نقبل بعد اليوم بجيش يتدخل على أساس طائفي أو مذهبي. نريد جيشاً للحدود لا للداخل، فالداخل مهمة الشرطة”.

أما عقيدة الجيش الجديد فيقول عنها سعد الدين: “عقيدة الجيش لا بد أن تكون حماية الوطن واسترداد الحقوق الوطنية وتحرير الأرض عبر منظمات الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية”. ويضيف: “أما بالنسبة الى الداخل ففي كل دول العالم الجيش أو الأجهزة الأمنية تراقب المواطنين لحماية الوطن لكن شرط عدم التعدّي على حرية الناس، أو اعتقالهم من دون إذن قضائي أو مذكرات قضائية”.

 

رابط المصدر: http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=596827