أي نظام.. بعد الأسد؟ (7) الأخيرة

المستقبل – الإثنين 2 كانون الأول 2013 – العدد 4879 – ملف – صفحة 14

عيسى: دولة آمنة لا دولة أمنية

جورج بكاسيني

ان ورشة إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية في سوريا وإصلاحها بعد سقوط النظام ستكون مهمة شاقة، وستواجه تحديات كبيرة بسبب تعدد هذه الأجهزة من جهة، ودورها السافر في مواجهة الثورة السورية من جهة ثانية، ولما لهذه الورشة من تداعيات اجتماعية واقتصادية محتّمة. ذلك أن مقاربة هذا الملف إنما تعني ملامسة بنية واسعة في المجتمع السوري تطال 65 ألف شخص بين ضابط وعنصر يشكّلون عديد الأجهزة القائمة حالياً في سوريا، إضافة الى أن هذه البنية تعود جذورها الى عقود من الزمن، وتحديداً الى مرحلة تولّي عبد الحميد السراج قيادة الأجهزة الأمنية ومن ثم وزارة الداخلية في الاقليم السوري إثر الوحدة مع مصر بين عامي 1958 و1961، حيث بدأ صعود “نجم” الأجهزة الأمنية وتدخلها في الحياة السياسية والاجتماعية وبدأت ببسط نفوذها على المجتمع.

حدّدت “خطة التحول الديموقراطي في سوريا” مجموعة من الإجراءات والخطوات لإعادة بناء القطاع الأمني فور سقوط النظام، هي:

– التدخل السريع لقوى الأمن الداخلي والجيش الحر، بالتعاون مع اللجان المحلية غير المسلحة على مستوى القرى والأحياء في المدن فور إسقاط النظام، لحماية أمن الناس وممتلكاتهم وحماية المراكز والمؤسسات الهامة في القطاع العام، كالمصالح العقارية والبنوك والأحوال المدنية والآثار والمتاحف والسجون والمصحات العقلية.

– حل كل الأجهزة الأمنية للنظام السابق، باستثناء قوى الأمن الداخلي (الشرطة)، بقرار وزاري من وزارة الداخلية في الحكومة الانتقالية. وإغلاق المقار الأمنية بالشمع الأحمر، ووضع حراسة عليها للحفاظ على وثائقها وممتلكاتها.

– تطهير وزارة الداخلية والأجهزة التابعة لها من الضباط الذين ارتكبوا جرائم تعذيب وقتل خارج نطاق القضاء، ونزع سلاحها وتتبع الهاربين منهم. ويتم ذلك من خلال لجنة وزارية، تضم قيادات شرطية وقضائية نزيهة، وممثلي منظمات حقوق الإنسان ونقابة المحامين على أن يكونوا قد خضعوا لتدريب مكثف ومناسب، وإعادة النظر في ملفات ومستندات التفتيش والتحقيق في قضايا الأمن العام.

– القيام بتدقيق مبدئي للقيادات العليا في سلك الشرطة الأحرار أو المتقاعدين، لتحديد اهل الثقة، وتوكيلهم ادوارا قيادية أثناء عملية إعادة بناء القطاع الأمني ومأسسته.

إصلاح القطاع الأمني

– إنشاء لجنة تصدر عن الحكومة الانتقالية للتحضير لعملية إصلاح القطاع الأمني والإشراف عليها خلال المرحلة الانتقالية، تتألف من قوى وطنية مختصة بالأمن والقضاء والعمل النقابي وعلم النفس العسكري. وتعمل وفق الاستراتيجية التالية:

1 – إعادة هيكلة وزارة الداخلية وإدارتها من قبل وزير مدني، ونقل الأقسام والوظائف غير الأمنية فيها، كإدارة الجوازات والسجلات المدنية والدفاع المدني وتنظيم الحج.. إلخ، إلى وزارات أخرى، واستحداث إدارات جديدة فيها، كمراكز الإصلاح الاجتماعي ـ قوى التدخل السريع ـ إدارة حقوق الإنسان ـ إدارة الشرطة المجتمعية ـ شرطة مكافحة الشغب… إلخ.

2 – إجراء مراجعة شاملة لنظم ومناهج تدريب أكاديمية الشرطة، والعمل على تغيير مواد الدراسة لتعكس مفاهيم الأمن الإنساني بدل أمن النظام، ولتبرز مهمة الشرطة في خدمة المجتمع وليس السيطرة عليه.

3 – تغيير معايير الترقية في وزارة الداخلية، وإرساء نظام مركب الكفاءة والأداء والتدريب والمؤهلات، وتفصيل هذا النظام في قانون الشرطة الجديد.

4- تحديث قيادات وزارة الداخلية وكوادرها عبر ما يسمى دورات التدريب المستمر وفق اساليب التدريب المعتمدة عالميا، وتدريبهم على تكتيكات مكافحة الشغب وتأهيلهم على التعامل المهني لاحترام الحقوق الإنسانية الأساسية والدستورية، وتزويدهم بالمعدات والتجهيزات الضرورية من أجل حفظ النظام العام.

5 – دمج المخابرات الجوية مع المخابرات العسكرية والتي ستكون متخصصة فقط في الحفاظ على أمن الضباط والعسكريين، وتأسيس إدارات جديدة للمخابرات العسكرية وبتسمية مختلفة بالضرورة.

6 – دمج الأمن السياسي بالجهاز الأمني الجديد الذي تكون مسؤوليته الحفاظ على أمن الشعب السوري، وإلغاء كافة مهمات الأمن السياسي السابقة وتأسيس جهاز جديد للمخابرات الداخلية.

7 – تأسيس جهاز جديد للمخابرات الخارجية، وإلحاقها بالمخابرات العامة واستبدال مصطلح الأمن القومي بالأمن الوطني.

8 – دمج بعض العناصر الثورية المقاتلة الراغبة في سلك وزارة الداخلية، ممن تتوفر فيهم الشروط الواجبة لذلك، وتأهيلهم بالتدريب اللازم.

9 – فتح باب العمل في القطاع الأمني، أمام جميع السوريين بمعزل عن خلفياتهم الإثنية أو انتماءاتهم الطائفية.

10 – صياغة قانون شرطة جديد ليحل محل القانون المعمول به الحالي، يعكس جميع التوصيات المذكورة أعلاه.

الهيكلية

إن هيكلية القطاع الأمني تعتبر الحساس الأكثر دقة لقياس شرعية النظام الجديد، ومصداقيته الوطنية والديمقراطية، واستكمالاً لذلك لا بد من:

– وضع آليات رقابة خارجية فعالة على قطاع الأمن، كمكتب المحامي العام والبرلمان (مجلس النواب) ومجلس حقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني، وتمكين قطاع الرقابة الداخلية من ممارستها لسلطتها المهنية وفق معايير موضوعية، في قانون الشرطة الجديد.

– العمل على صياغة قانون حرية المعلومات وتنظيم عمليات النشر الدورية عن طريق البرلمان، لإيجاد الرقابة العامة على المسؤولين الحكوميين وضمان أداء مهني للضباط، وإنفاق ميزانية وزارة الداخلية بالشكل السليم.

– فصل القطاع الأمني عن السياسة، ومنعه من ممارسة السياسة والتحزب إلا ضمن شروط تضمن استقلاليته ونزاهته.
وفي النهاية فإن برامج إعادة الدمج تساعد في تسهيل انتقال المجتمع من النزاع إلى الحالة الطبيعية والتنموية. ويتمثل الهدف الأسمى لبرنامج إعادة الدمج في دعم المقاتلين السابقين في سعيهم نحو الاندماج مع المجتمع المدني اجتماعيا واقتصاديا ووظيفيا، وهذا يستدعي التفكير في مصادر التمويل المحتملة لهذا المشروع إضافة إلى دراسة وتحديد الفئات المستهدفة من المشروع، والعناصر التي قد تقف معيقة له، وتتضمن هذه الفئة الأشخاص الذين يملكون مناصب متوسطة إلى عالية ضمن الفصائل المتحاربة حيث أن توقعاتهم لنتائج البرنامج قد تكون أكبر من الممكن.

يدعو بيت الخبرة السوري إلى تشكيل لجنة لتطهير الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، غير أن هذه اللجان التي يناط بها القيام بعمل وطني خطير وحساس وهام، لا بد أن يراعى فيها عدةعوامل هامة، منها:

– أن تكون اللجان مدنية أو ذات طابع مدني عام، وأن يخضع أعضاء هذه اللجان لتدريبات مكثفة وعالية المستوى.
وفي سياق عملية الدمج، لا بد من الانتباه إلى العديد من المقاتلين الذين يعانون مشكلات صحية تحتاج إلى علاج. وحتى يكون برنامج الدمج ناجحا يجب أن يتضمن خدمات رعاية صحية. وأن يتم التعامل مع كل المشكلات الصحية الجسدية أو العقلية بعد توقف القتال وأن تبقى هذه القضية أولوية خلال فترة إقامة البرنامج.

وقد تزيد عملية تسريح عناصر الجيش والأمن، (سواء من جيش النظام أو من الجيش الحر) من التغيرات في سوق العمل ويزداد احتمال تجدد العنف والتوتر. وقد يضر السماح ببقاء الاقتصاد على شكل اقتصاد حرب ودولة ضعيفة باستقرار مرحلة ما بعد النزاع وسيادة القانون والعملية الديمقراطية. فالمجتمع المفقر والدولة الضعيفة أو الهزيلة لن يستطيعا إرضاء متطلبات المقاتلين واستقرارهم في مجتمع يزدادون فيه فقرا، لذلك ولكي ينجح برنامج إعادة الدمج لا بد أن يعمل على تلبية حاجات المجتمع المستقبلية بشكل فوري.

– أن يتم اختيار أعضاء اللجان وفقاً لمعايير واضحة وشفافة، ويقترح أن تضم لجنة التطهير والتدقيق في مؤسسة الأمن عضواً من هيئة العدالة الانتقالية وعضواً من المجلس القضائي الأعلى وعضواً من المجلس التشريعي القائم (المجلس التأسيسي).

– أن تتم عمليات التطهير وفق خطة مدروسة بعناية وأن تعمل اللجنة على فرز العاملين في أجهزة الأمن لفئات متعددة، وذلك للاستفادة من أكبر قدر ممكن منهم في قطاعات مختلفة”.

عيسى

لذلك يعتبر قادة الثورة الأمنيون والعسكريون ان إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية بعد سقوط النظام تحتاج الى جهد جبار والى حل كل هذه الأجهزة بداية وتشكيل جهاز أمني جديد يراعي الحقوق المدنية للمواطنين، كما يقول ممثل هيئة الأركان في الائتلاف السوري المعارض وقائد تجمّع “أحفاد الرسول” في الشمال مهنّد عيسى، الذي يوضح لـ”المستقبل” أن وجود 65 ألف عنصر أمني مخابراتي حالياً في الأجهزة “يعدّ رقماً كبيراً بالنسبة الى شعب واحد. ويضيف أن هذا “الكم الهائل للعناصر الأمنية يمثل تحدياً ليس للنظام السوري الجديد وحسب وإنما للمجتمع الدولي عموماً الذي لم يجد حلاً في نقاشاته المفتوحة في هذا الخصوص لهذه المعضلة حتى الآن. لذلك ثمة اقتراحات متعددة نتدارسها لهذه الغاية منها إحالة جزء كبير من هؤلاء العناصر الى وزارة السياحة مثلاً أو غيرها من الوزارات أو الإدارات بعد تأهليهم”.

ويقول عيسى: “لا بد بداية من حلّ هذه الأجهزة وإنشاء جهاز جديد يحمي المواطنين بدلاً من مراقبتهم أو تقييد حركتهم. نريد دولة آمنة وليس دولة أمنية. نريد جهازاً أمنياً يحمي المواطنين السوريين من الأعداء ولا تنحصر مهمته بحماية النظام فقط، ولا يتدخل في السياسة أو في حياة الناس الخاصة”.

ويورد عيسى أمثلة وعينات من ممارسات الأجهزة الأمنية القائمة حالياً رفضاً لتكرارها في أي نظام سياسي جديد بعد سقوط الأسد، مثل مراقبة خطوط المواطنين الهاتفية وتدخل الأجهزة الأمنية في اعطاء التراخيص في أي حقل من حقول العمل بما في ذلك ترخيص محل سمانة”.

“حتى إحياء الأعراس يحتاج الى إذن أمني”، كما يضيف عيسى، “لأن تجمع أكثر من تسعة أشخاص يحتاج الى موافقة أمنية وفقاً لقانون الطوارئ المعمول به في سوريا. وبذلك يحتاج أي أب له أكثر من سبعة أو ثمانية أولاد الى إذن ليجتمع وإياهم في أي مناسبة خارج المنزل.

وإذا أراد أي مواطن طبع أي ورقة من دون موافقة جهاز أمني معيّن يتعرّض لعقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات بالاضافة الى تغريمه بمبلغ قدره ثلاثة ملايين ليرة سورية وفقاً لقانون الطبع المعمول به في قانون الطوارئ”.

على أن القانون المشار اليه يمنع أيضاً حسب عيسى “تربية الحمام الزاجل بسبب صعوبة مراقبته في حال حمل رسالة معيّنة من شخص الى آخر”.

لذلك يشدد عيسى على أن المعارضة السورية ستعمل فور سقوط النظام على بناء بنية أمنية من نوع آخر “تحمي الناس وليس النظام، وتوفر لهم حرية وعدم التدخل في تفاصيلهم اليومية. بنية تقيم دولة ديموقراطية فيها محاسبة ومساءلة، ولها موازنات شفافة تخضع للمحاسبة والتدقيق لا موازنة سرية لا أحد يعلم حجمها وكيفية إنفاقها.

الأجهزة الأمنية منذ أيام عبد الحميد السرّاج

بعد تولّي عبد الحميد السراج قيادة الأجهزة الأمنية ومن ثم وزارة الداخلية اثر الوحدة مع مصر بين العامين 1958 و1961، تضاعفت سلطة الأجهزة الأمنية بصورة نافرة مع انقلاب حزب “البعث” العام 1963، وجرى تأسيس جهاز الأمن السياسي الذي من مهامه مراقبة أحزاب المعارضة وتحركاتها، حيث تولى عبد الكريم الجندي قيادة أجهزة الأمن كونه رئيس مكتب الأمن القومي في حزب “البعث”، في ما تولى علي حيدر مسؤولية القوات الخاصة.

كان واضحاً صعود “اللجنة العسكرية” داخل جهاز حزب “البعث” التي أصبح لها في ما بعد دور حاسم في تقرير من يتولى السلطة ويتحكم بها، ولذلك نما دور المؤسسة العسكرية على نحوٍ عاق تطور المؤسسات المدنية وشلّ عملها في بعض الأحيان كما حصل مع الانقلابات العسكرية المتتالية التي حصلت منذ العام 1949 وحتى العام 1970.

إثر انقلابه العام 1970، وسّع حافظ الأسد أجهزة المخابرات، وأتى برؤسائها الى داخل مؤسسات الدولة. أسس العام 1971 تشكيلاً عسكرياً وأمنياً سمّي “سرايا الدفاع” وجعل قيادته بيد شقيقه رفعت. وحصلت هذه “السرايا” على تفويض واسع، ثم شكّلت فرعاً مخابراتياً خاصاً بها لحماية النظام من أي انقلاب عسكري قد يحدث. وفي 1976 أسس حافظ جهازاً جديداً باسم الحرس الرئاسي بقيادة عدنان مخلوف، وانحصرت صلاحياته بسلامة الرئيس الأسد وأمنه الشخصي فنما باطراد حتى صار عدد أفراده 10 آلاف عنصر يضم في بنيته تنظيماً شبه عسكري وأمني.

ولحماية وظيفة هذه الأجهزة بطريقة يُحكم السيطرة عليها، عمل الأسد على صياغة دستور جديد العام 1973 أعطى بموجبه صلاحيات واسعة لرئيس الجمهورية، بحيث أصبح له الحق، إضافة الى كونه أميناً عاماً لحزب “البعث”، وفقاً للمادة الثامنة من الدستور، في قيادة الدولة والمجتمع، كما يجمع الى ذلك منصب القائد العام للجيش والقوات المسلحة (المادة 103)، إضافة الى كونه رئيس القيادة المركزية للجبهة الوطنية التقدمية.

أما الأجهزة وفروعها التي شكلت المنظومة الأمنية في عهدي حافظ وبشار الأسد فهي: إدارة المخابرات العامة (أمن الدولة) وهي تتبع لمكتب الأمن القومي التابع للقيادة القطرية لحزب “البعث” اسمياً ولها تسعة فروع رئيسية أكثرها أهمية رقم (251)، شعبة الأمن السياسي وهي من أقدم الأجهزة لكنها عبارة عن جهاز اداري أكثر منه ميداني، شعبة المخابرات العسكرية وهي من أكبر فروع المخابرات حجماً وتعاظم دورها بشكل ملحوظ خلال أحداث الثمانينيات ومع بداية الثورة السورية العام 2011، ومخابرات القوى الجوية التي رأسها محمد الخولي لفترة طويلة وقد اتسعت مسؤولياتها حتى صارت لها اليد الطولى في اعتقال خصوم النظام المدنيين ولعبت دوراً مؤثراً في العمليات الخارجية السرية.

هذه الأجهزة مجتمعة لعبت دوراً كبيراً في محاولة اخماد الاحتجاجات التي اندلعت في آذار 2011 وصدّ المتظاهرين السلميين. وقامت باعتقال عشرات المعارضين السياسيين ومنعهم من السفر، كما ملأت السجون بآلاف المعتقلين من الناشطين المحتجين على سياسات النظام، كما خطفت العديد من قادة الحراك الشعبي واستخدمت الهراوات والغاز المسيل للدموع إضافة الى الرصاص الحيّ.

رابط المصدر: http://www.almustaqbal.com/storiesv4.aspx?storyid=596975